الصفحات

تفاصيل هذا المشروع العظيم

ممر التنمية والتعمير في الصحراء الغربية هو مقترح قد تقدم به الدكتور فاروق الباز منذ سنوات بغرض إنشاء طريق بالمواصفات العالمية في صحراء مصر الغربية يمتد من ساحل البحر المتوسط شمالا حتي بحيرة ناصر في الجنوب وعلي مسافة تتراوح بين ‏10‏ و‏80‏ كيلو مترا غرب وادي النيل‏,‏ يفتح هذا الممر آفاقا جديدة للامتداد العمراني والزراعي والصناعي والتجاري حول مسافة تصل الي ‏2000‏ كيلو متر.‏

ملخص مكونات المشروع

  1. طريق رئيسي للسير السريع بالمواصفات العالمية يبدأ من غرب الإسكندرية ويستمر حتي حدود مصر الجنوبية بطول‏1200‏ كيلو متر تقريبا
  2. اثنا عشر فرعا من الطرق العرضية التي تربط الطريق الرئيسي بمراكز التجمع السكاني علي طول مساره بطول كلي نحو‏800‏ كيلو متر‏.‏
  3. شريط سكة حديد للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي
  4. انبوب ماء من بحيرة ناصر جنوبا وحتي نهاية الطريق علي ساحل البحر المتوسط‏
  5. خط كهرباء يؤمن توفير الطاقة في مراحل المشروع الأولية‏

الطريق الرئيسي

نموذج لطريق سريع بالمواصفات العالمية

يمثل الطريق العالمي من الشمال إلي الجنوب العنصر الأساسي لممر التعمير‏,‏ يبدأ الطريق علي ساحل البحر المتوسط في موقع يتم اختياره بين الاسكندرية و العلمين‏,‏ ويؤهل إنشاء ميناء عالمي جديد يضاهي المواني العالمية الكبري في المستقبل يؤخذ في الاعتبار الحاجة إلي توفير استخدام تكنولوجيا المعلومات الحديثة في التعامل السهل السريع مع الصادرات والواردات والبضائع المؤقتة‏,‏ ويعيد مثل هذا الموقع المكانة المرموقة للإسكندرية بين المواني العالمية‏.‏ يتكون الطريق الرئيسي من ثمانية ممرات علي الأقل اثنان لسيارات النقل واثنان للسيارات الخاصة ذهابا وايابا‏,‏ كما يلزم أن يمهد الطريق وفقا للمواصفات العالمية التي تسمح بالسير الآمن السريع دون توقف إلا في حالات الطواريء ومحطات الاستراحة والوقود ومراكز تحصيل رسوم السير‏,‏ وربما يستدعي تأمين صلاحية الطريق إنشاء مؤسسة خاصة تقوم بتحصيل الرسوم اللازمة لهذا الغرض علي مشارف الطرق العرضية‏.‏

المحاور العرضية

يشتمل المقترح علي اثني عشر طريقا عرضيا تربط كل منها الطريق الرئيسي بموقع من مواقع التكدس السكاني في الدلتا ووادي النيل‏,‏ وتسمح هذه الطرق بالامتداد العمراني غربا في هذه المواقع رويدا رويدا وتضيف بعدا جغرافيا لعدد من المحافظات التي تعاني من الاختناق في الوقت الحالي‏,‏ ويجب ألا يسمح إطلاقا بالنمو العشوائي في تلك المناطق بل يجب أن يسبق التخطيط والتنظيم والخدمات لنمو الحضري لها وتسمح هذه الطرق العرضية التنقل بين المحافظات بسرعة ويسر كما تؤمن النقل السريع بينها وبين العالم الخارجي‏.‏ وعلي سبيل المثال‏,‏ تشمل الطرق العرضية المقترحة ما يلي‏:‏

محور الإسكندرية

يبدأ ممر التنمية على ساحل البحر المتوسط بالقرب من موقع العلمين. ويمتد أول محاوره شرقا إلى الاسكندرية ويعتبر لذلك شريان يربط الممر بشمال الدلتا. لأن المحور يوازى ساحل البحر فهو يؤهل لتنمية قطاعى السياحة وتنمية الموارد السمكية, إضافة إلى زراعة الفواكه التي تزدهر في هذا المناخ.

يقترح أن يقام ميناء جديد في العلمين بدلا من ميناء الاسكندرية الذي أصبح قديما؛ لأن حركة تيارات البحر في العلمين أنسب منها في الإسكندرية، وفي ميناء العلمين تصلنا البضائع من الخارج، وخلال ‏3‏ ساعات فقط يمكن أن تصل إلى القاهرة.

مقومات الازدهار السياحى :

  • أولا لأن للمكان أهمية تاريخية في اوروبا
  • ثانيا لأن الشواطئ تتكون من حبات الحجر الجيرى ناصعة البياض جميلة المنظر ناعمة الملمس
  • ثالثا لأن مياه البحر بالقرب من العلمين هادئة تحميها الطبيعة الجغرافية للمنطقة

لذلك يمكن التخطيط الشامل لعشرات المشاريع السياحية على أعلى المستويات العالمية لتحقيق طفرة سياحية تعادل أو تفوق كل ما يعود على مصر من السياحة في الوقت الحالى على غرار ما تم من مبادرات في دبي لجذب السياحة العالمية في صورة غير مسبوقة.

ولا ينصح بالتوسع في مشاريع السياحة الداخلية الموسمية على طول الساحل الشمالى لأنها محدودة الفائدة بالنسبة للاقتصاد القومى.

إضافة إلى السياحة، تذخر المنطقة بالثروة السمكية ويجب العمل على تنميتها. ويمكن دعم المبادرات لإقامة المزارع السمكية والعمل على سرعة نقلها على مسار المحور وباقى ممر التنمية والتعمير إلى الأسواق بالمدن الكبرى.

أما بعيدا عن الشاطئ فتذخر المنطقة بالتربة الصالحة لزراعة الفواكه وخاصة التين و العنب وهذه المحاصيل بالذات يقبل عليها الأوربيون لذلك فيمكن تسويقها محليا إضافة على تصديرها.

توهل بيئة المنطقة للقيام بما يلى:

  1. تطهير المخازن القديمة وحفر مخازن جديدة لحفظ ماء المطر الذي يتجمع على سطح الصحراء الساحلية في صخورالحجر الجيري بالمنطقة كما كانت تستخدم من عصر الرومان وحتى عصر الثورة.
  2. تشييد مراوح هوائية لضخ المياه الجوفية من الآبار على طول الساحل.
  3. لأهمية المكان التاريخية يمكن التخطيط لإنشاء المتاحف الحربية.

لابد في هذا الموقع من التخطيط لتطهير الموقع من الغام الحرب العالمية الثانية قبل البدء في تنميته. حيث يقدر المؤرخين أن المنطقة تحتوي على حوالى 20 مليون لغم. لم تنجح محاولات الماضى لحث الدول المعنية على إزالة الألغام. كان السبب الأساسي في ذلك قولها أن أراضى المنطقة صحراء جرداء لا نفع فيها.

محور الدلتا

لربط الطريق الرئيسي بمنتصف منطقة الدلتا ربما في مدينة طنطا‏.‏ لأن طنطا هي البلد الوحيد في وسط الدلتا الذي به شبكة من الطرق تتصل بكل مدن الدلتا ولذلك تم اختيارها لربط الدلتا كلها بالوادي الجديد المنتظر. يمتد محور الدلتا من الأرض الزارعية في منتصف الدلتا غربا مرورا بأرض صحراوية مستوية. لذلك يجب التخطيط للإعمار في المناطق الصحراوية للإقلال من الضغط على التربة الزراعية. يمكن أن تكون أول الأماكن المختارة هي لإقامة مدن وقرى جديدة تبدأ على حدود الأراضى الزراعية الخصبة وتزداد إلى الغرب رويدا رويدا مع الزمن حتى يتم إعمار الأراضى على طول المحور بين الأراضى الزراعية الحالية وحتى المحور الطولى في الغرب. في حالة التوسع السريع الذي ينتج عن تكدس على جانبى المحور العرضى، يمكن إنشاء طرق من الشمال إلى الجنوب عبر المحور لاستمرار التوسع السكانى خارج حدود الدلتا هكذا يعتبر هذا المحور بعدا جغرافيا جديدا لمحافظة الغربية، التي تعد من أكثر محافظات الدلتا إختناقا.

مع أن الغرض الأساسي لهذا المحور هو التوسع العمرانى، فلابد أن يتزامن معه توسع زراعى وخاصة في الأرض المستوية بالقرب من حدود الزراعة الحالية لتأمين الغذاء. هذا ولقد أثبتت التنمية الزراعية على جانبى طريق القاهرة-اسكندرية الصحراوي أن هذه المنطقة من الصحراء الغربية بها ما يكفى من التربة الخصبة وكذلك المياه الجوفية على أعماق مختلفة تسمح بالتوسع السكانى فيها. حتى إذا لم يتحقق الوضع بالمنطقة المذكورة، فطالما أن أراضيها خصبة يمكن توصيل المياه لها من النيل كما هو الحال في منطقة النوبارية التي تغذيها ترعة النوبارية من مياه النيل.

ليس هناك أسباب وجيهة لبقاء مصر بلد مستورد للحوم الحيوان ،حيث أنها قادرة على الإكتفاء الذاتى والتصدير. إضافة إلى هذا يمكن تحديد موقع في هذه المنطقة لإنتاج الطيور بعيدا عن مواقع التكدس السكانى. نذكر جميعا كارثة انفلونزا الطيور وما نتج عنها من مآسى عديدة وخسائر فادحة لأن إنتاج الدواجن كان يتم في وسط مساكن الناس. إذا ما تمت تربية الدجاج بعيدا عن مكان معيشة الأهالى قلت إحتمالات نقل الأمراض منها إلى الإنسان، وإزداد إحتمال نجاح المشروعات التنموية في هذا المجال الهام، وخاصة أن المسافة من الموقع المذكور ومنتصف الدلتا بسيطة ولا تحتاج إلا لساعات قليلة للوصول من أولها إلى آخرها.

إذا تم التوسع العمرانى المنظم حول محور طنطا وتبعه مخطط مدروس للتوسع الزراعي والإنتاجي كما سلف، يمكن اعتباره مصدرا جديدا للإنتاج وخاصة الغذاء العضوي أي الذي لا تدخل فيه كيماويات، والذي سوف يزداد الإقبال عليه مستقبلا. مثلا يمكن تحديد بعض المواقع للزراعات النظيفة وتهيئتها إما للتصدير أو البيع في المنتجعات السياحية الجديدة بالقرب من العلمين حيث يفضل الأجانب هذه المنتجات الزراعية. وفي المستقبل سوف تفضل شريحة من المصريين البحث عن "الغذاء العضوى".

يمر الجزء الغربي من المحور بالمنفذ الشمالى لوادى النطرون وما به من آثار لتاريخ طويل. يصل المحور بعد ذلك إلى هضبة قليلة الارتفاع يمكن تهيئتها لإقامة المصانع لأن الريح تأتى من الشمال إلى الجنوب فإن العوادم الدخانية لن تؤثر على السكان إطلاقا.

محور القاهرة

يؤهل هذا الفرع ربط الطريق الرئيسي بطريق القاهرة-اسكندرية الصحراوي ثم بأكبر تجمع سكاني في قارة إفريقيا بأكملها‏,‏ ألا وهي محافظة القاهرة‏.‏ ويمكن لهذا الفرع أن يستمر شرقا إلي المعادي ومنها إلي طريق السويس كي يربط الميناء الجديد بميناء السويس‏.‏ ويؤهل ذلك نقل البضائع بريا من البحر المتوسط غرب الإسكندرية إلي البحر الأحمر عبر خليج السويس كمجال إضافي للنقل البحري عبر قناة السويس

محور الفيوم

وادى الريان بالقرب من منخفض الفيوم

يؤهل هذا الطريق تنمية الصحراء في شمال وغرب منخفض الفيوم‏,‏ ومنطقة غرب الفيوم بالذات يمكن تنميتها صناعيا لإبعاد الصناعات مثل صناعة الأسمنت عن المواقع السكنية لتحسين البيئة فيها‏.‏

محور البحرية

الواحة البحرية

يؤهل هذا الفرع وصل الطريق الرئيسي بالواحات البحرية في اتجاه جنوب غرب الجيزة‏,‏ وبذلك يؤهل الفرع الوصل بين واحات الوادي الجديد الشمالية والطريق الرئيسي‏.‏ ويسمح الفرع بالتوسع في السياحة في منخفض البحرية وكذلك استخدام ثرواتها المعدنية وخاصة رواسب الحديد‏.‏

محور المنيا

يفتح هذا الفرع آفاقا جديدة للنماء غرب وادي النيل في منطقة تكتظ بالسكان وتحتاج إلي التوسع في العمران لاسيما نظرا لوجود جامعة بها هذا بالإضافة إلي الحاجة لعدد من المدارس ومعاهد التدريب.

محور أسيوط

يمكن إعادة كل ماقيل عن فرع المنيا‏,‏ إضافة إلي أن هذا الفرع يؤهل السير علي طريق الواحات الخارجة وباقي واحات الوادي الجديد.

محور قنا

يوصل هذا الطريق إلي منطقة واسعة يمكن استصلاح أراضيها تقع جنوب مسار نهر النيل بين مدينتي قنا ونجع حمادي تكونت التربة في هذه المنطقة نتيجة لترسيب الأودية القديمة مما يعني أيضا احتمال وجود مياه جوفية يمكن استخدامها في مشاريع الاستصلاح‏.‏

محور الأقصر

يؤهل هذا الطريق امتدادا غير محدود للمشاريع السياحية المتميزة فوق الهضبة وغرب وادي النيل بالقرب من أكبر تجمع للآثار المصرية القديمة في الأقصر‏.‏ إضافة إلي ذلك يمكن استثمار الطبيعة الفريدة في منخفض الخارجة بالإضافة إلي الواحات العديدة والكثبان الرملية الباهرة‏.‏

محور كوم أمبو - أسوان‏

يعبر هذا الفرع سهلا واسعا يمثل مجري قديما للنيل ولذلك تغطيه تربة خصبة صالحة للزراعة‏.‏ ولأسباب جيولوجية بدأ مجري النيل الهجرة شرقا حتي وصل إلي موقعة الحالي‏.‏ ولذلك يمكن استخدام المياه الجوفية المختزنة منذ قديم الزمن في استصلاح هذا السهل الخصيب‏.‏ امتداد الفرع في اتجاه الجنوب الشرقي يربط ما بين الفرع وبين الطريق الرئيسي ومدينة أسوان‏,‏ مما يسهل نقل المنتجات المحلية إلي المحافظات الشمالية علاوة علي التنمية السياحية عبر تيسير زيارة المواقع السياحية في منطقة أسوان‏.‏ إضافة إلي ذلك يؤهل الطريق تنمية مطار أسوان للتجارة العالمية‏.‏

محور توشكي

موقع بحيرات توشكى وبحيرة ناصر

يهبط الطريق الرئيسي من الهضبة حيث يتم وصلها بعدة أماكن حول منخفض توشكي‏.‏ لقد تم حفر قناة لتوصيل مياء النيل من بحيرة ناصر إلي منخفض توشكي بغرض استصلاح الأراضي المحيطة بالبرك التي تكونت في المنخفض هذا المشروع يستدعي عدة سبل للنقل السريع إلي المحافظات الشمالية ومنافذ التصدير معا كما يؤهل هذا الفرع وصل المنطقة بالطريق الرئيسي ويسهم في نجاح مشاريع التنمية في منطقة توشكي.

محور أبوسمبل - بحيرة ناصر

معبد رمسيس الثاني في أبو سمبل

يعتبر معبدى الملك رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري من أشهر الاثار المصرية القديمة. ازدادت هذه الشهرة بعد أن شارك العالم باسره في إنقاذ المعبدين من الفناء تحت مياه بحيرة السد العالي. تم ذلك في الستينات تبعا لمخطط شارك في إعداده عدد هائل من الخبراء تحت مظلة اليونسكو. تم نقل المعبديين قطعة قطعة ووضعها فوق أرض مرتفعة في نفس الوضع الجغرافى وبناء حائط أسمنتى يشبه الجبل الذي احتوى على الموقع الأصلى.

كان أهم ما أخذ في الاعتبار هو وضع معبد الملك في نفس وضعه بالنسبة لجغرافية المكان, لكى تصل أشعة الشمس لتنير وجه تمثال الملك في داخل المعبد في يومين محددين في أكتوبر وأبريل من كل عام. نجح قدماء المصريين نجاحا باهرا في تحديد هذا التوقيت الذي استخدم في إعلان موسمي الزراعة بعد فيضان كل عام والحصاد في الربيع. ويأتى عدد كبير من السائحين من كل بلاد العالم لمشاهدة هذه الظاهرة الفريدة والتمعن في عظمة قدمائنا.

يلزم لذلك تسهيل إقامة الضيوف في المنطقة بإنشاء ما يفى من الفنادق والمستعمرات السياحية التي تؤهل المبيت لعدةأيام. في وقتنا الحالى يندر أن يستطيع السائح البقاء في المنطقة أكثر من عدة ساعات حيث يصل الناس إلى معبدى أبو سمبل إما بالطائرة من القاهرة والأقصر أو الاتوبيس من أسوان ثم يغادروا المكان بعد وقت قصير يدل ذلك على أن النشاط السياحى في المنطقة لم يتطور كما يجب.

كذلك الحال في باقى الساحل الغربي لبحيرة ناصر, هذه البحيرة التي نتجت عن الفكر الثاقب والمبادرة والعمل الدؤوب في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي انتهى بتشييد السد العالي. هذا السد العملاق يحفظ الجزء الأكبر من مياه فيضان النيل للاستخدام في وقت القحط المائى, تماما كما فعل أجدادنا في منخفض الفيوم كما سلف الذكر. وهكذا سهل السد العالى استخدام معظم ما يصل إلى مصر من مياه النيل وحفظها من الجوع والدمار أثناء السنوات العجاف التي يقل فيها المطر في وسط وشرق أفريقيا بالهضبة الأثيوبية.

بحيرة ناصر يمكن استثمارها سياحيا إلى أقصى الحدود في موسم الشتاء. إذا ما ازدادت السياحة بالمنطقة تزداد فرص العمل لأبناء النوبة حيث يمكن إقامة مدن صغيرة بالقرب من معبدى أبو سمبل تشمل على ما تحتاجه من مباني ومدارس ومستشفيات ومراكز للأمن وما إليها, إضافة إلى احتمال زراعة مساحات صغيرة لإنتاج ما تحتاجه هذه النشاطات من غذاء بالرى من بحيرة ناصر.

إضافة إلى السياحة تمثل بحيرة ناصر مصدرا فريدا للأسماك النيلية. يقول الخبراء أن البحيرة تذخر بمتطلبات الغذاء الطبيعى لأسماك البلطى التي يكبر حجمها عما نراه في مسار النيل شمالا. ويعتقد أن هذه الثروة السمكية لا تستخدم لعدم توافر معدات الصيد والتبريد والإعداد للشحن والنقل, والتي تمثل البنية التحتية لهذا الغرض. لذلك يؤهل محور بحيرة ناصر إعداد ما يلزم محليا ثم نقل الإنتاج إلى مدن الشمال.

ربما أمكن أيضا إقامة عدد من المزارع السمكية في بعض الخيران على ساحل البحيرة وذلك للتعليب والتصدير, لأن هذه الثروة السمكية لا يجب النظر إليها فقط للاستهلاك المحلى ولكن يجب استثمارها أيضا في دعم الاقتصاد الوطني لأن في ذلك فائدة في فتح مجالات عمل جديدة للجيل الصاعد.

ينتهى ممر التنمية جنوبا على حدود السودان مقابل وادى حلفا. مد الممر من محور أبو سميل - بحيرة ناصر إلى الحدود (بطول 55 كيلو متر) يؤهل احتمال مد الممر في مستقبليا جنوبا حتى الخرطوم ومنها إلى باقى أفريقيا إذا لزم الأمر.

و إلى حين ان تكتمل هذه المسيرة مستقبلا وصول الممر إلى نقطة مقابلة لوادى حلفا يؤهل نقل الناس والمنتجات والبضائع من الضفة الغربية للبحيرة إلى بلدة وادى حلفا وبالعكس. وادى حلفا تصلها سكة حديدية تربط بينها وبين كل من الخرطوم في الجنوب وبورسودان على ساحل البحر الأحمر. إذا فإن هذا الامتداد يؤهل التبادل التجارى اللائق بين قطريين يلزم التعاون بينهما لخير أهلهما.

السكة الحديدية

يشتمل ممر التعمير المقترح علي شريط سكة حديدية للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي تؤهل هذه الوسيلة نقل الناس والبضائع والمنتجات من جنوب مصر حتي ساحل البحر المتوسط لاسيما وأن السكة الحديدية تعاني من الكهولة‏.‏ كما لا يصح إنشاء سكة حديدية جديدة داخل وادي النيل لأن في ذلك تعديا علي الأراضي الزراعية. تؤهل السكة الحديدية للنقل السريع شحن الأسماك من بحيرة ناصر التي تذخر بالثروة السمكية إلي مواقع التكدس السكاني في شمال وادي النيل‏.‏ كذلك تمكن الوسيلة من الاستخدام الأمثل في الصناعات العديدة كصناعة الألمومنيوم في نجع حمادي‏.‏ فتوجود السكة الحديدية الجديدة سوف يجعل النقل من الميناء إلي المصنع ثم المنتج من المصنع إلي السوق يتم في سهولة ويسر وبتكلفة أقل‏,‏ هذا بالإضافة إلي الحد من الزحام الناتج عن حركة الشاحنات علي الطريق الزراعي الحالي‏.‏ ويصح ان تكون السكك الحديدية اخر مراحل المشروع اكمالا لأن الحاجة القصوى لها تتضح بعد إنشاء المصانع وبدأ إنتاجها.

أنبوب الماء

يلزم توفير الماء الصالح للشرب بطول الممر المقترح فوق هضبة الصحراء الغربية يفضل نقل الماء من بحيرة ناصر أو قناة توشكي داخل أنبوب لمنع البخر أو تسرب الماء في الصخور ويشمل التخطيط لمشاريع التنمية المختلفة علي طول الممر استخدام المياه الجوفية في الزراعة والصناعة‏,‏ ولكن الحاجة الي الماء للاستخدامات البشرية خلال المراحل الأولي للمشروع يتطلب توفير الأنبوب المذكور

ربما يلزم المشروع خلال تلك المرحلة أنبوب قطره متر أو متر ونصف وهذا ليس بكثير لأن ليبيا قد أقامت النهر الصناعي العظيم لنقل الماء العذب من أبار صحرائها في الجنوب الي مدنها علي ساحل البحر المتوسط في أنبوب قطره أربعة أمتار وبطول‏2000‏ كيلو متر‏.‏ وكما هو الحال في ليبيا‏,‏ بعد ضخ الماء الي مستوي الهضبة حيث يتم نقله من الجنوب الي الشمال بالميل الطبيعي لسطح شمال إفريقيا

خط الكهرباء

يلزم للمقترح إنشاء خط كهرباء للإنارة والتبريد علي طول الطريق الرئيسي‏,‏ وخاصة لأن مسار الطريق يمر في منطقة صحراوية لاتوجد فيها متطلبات التنمية الأساسية‏,‏ خلال المراحل الأولي للمشروع في نفس الوقت يجب تشجيع مشروعات التنمية العمرانية والزراعية والصناعية والسياحية المنظمة واستخدام مصادر الطاقة المستدامة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح‏.‏

تكلفة المشروع

ولتنفيذ هذا المشروع أشار د.الباز إلى أن الحكومة المصرية لن تقدر على تكلفته الآن، فوقت أن اقترحته عام 1982 كانت تكلفته 6 مليارات دولار، والآن تصل تكلفته إلى 24 مليار دولار، ولكن المطلوب من الحكومة أن تعلن تبنيها له، وتدعو القطاع الخاص والمستثمرين العرب والأجانب لتنفيذه.

وهذا أمر ليس بالصعب، فقد تمكنت الإمارات من جمع نحو ‏40‏ مليار دولار لبناء مدينة ستسميها "مدينة العرب" فور الإعلان عنها، فهل من الصعب علينا تدبير ‏24‏ مليار دولار لمشروع بهذه الضخامة؟!

مزايا المشروع

وعن المزايا التي سيحققها مشروعه قال د.فاروق الباز

: إنه سيوفر خمس مزايا، وهي:

أولا: سيفتح مجالا لبناء مدن وقرى جديدة في مراكز التكدس السكاني المقترحة،‏ وبذلك نستطيع وقف التعدي على الأراضي الزراعية كليا، حيث ستكون في موازاة كل مدينة كبرى مدينة أخرى قريبة ومتصلة بها تماما.

ثانيا: سيفتح مجالا أكبر للزراعة، فهناك ثلاثة أماكن كبرى صالحة للزراعة فعلا، وبلا أي جهد للاستصلاح‏، الأولى موجودة بطنطا والثانية المجاورة لقنا"إحدى المحافظات بجنوب مصر"، والثالثة عند كوم امبو "إحدى المدن بجنوب مصر" وإذا أضفنا إليها منطقة توشكي تصبح لدينا أربعة أماكن زراعية ضخمة تزيد على ‏1.7‏ مليون فدان.‏ ثالثا: سيفتح آفاقا واسعة للسياحة،‏ فهناك في الاقصر "إحدى مدن جنوب مصر" فرصة عظيمة لأن تصبح أفضل مكان سياحي في العالم‏، فالمشروع يقدم طريقا إلى وادي الملكات والملوك بالأقصر، يمر فوق الهضبة وليس تحتها، ويمكن أن تقام عليه سلسلة من الفنادق العالمية‏، ويستطيع السائح أن يشاهد من غرفته كل معالم الأقصر السياحية، فضلا عن أنه يستطيع الوصول إليها في‏20‏ دقيقة فقط من الفندق، كما توجد‏ منطقة الفيوم حول بحيرة قارون، ويمكن استثمارها سياحيا بشكل غير مسبوق‏.‏

رابعا‏:‏ التوسع الصناعي دون تلويث البيئة‏، فمثلا مصنع الألمنيوم في نجع حمادي‏،‏ نحن نجلب له الخامات من اسوان "إحدى مدن جنوب مصر"، وفي الطريق الطويل بين المدينتين تحدث مشاكل كثيرة بيئية، فيمكننا أن نخلص المدن الكبرى من أزمة إقامة المصانع فيها‏.‏ خامسا‏‏ وهو الأهم: إيجاد فرص العمل، وزرع الأمل في المستقبل لدى الشباب‏، فالمشروع سيوفر نحو‏500‏ ألف فرصة عمل في لحظة البدء في المشروع على الأقل، فما بالنا بالفرص المتوقعة الضخمة مع المضي قدما فيه!

يلزم لأي مقترح لمشروع تنموي دراسة الآثار الجانبية له وخاصة من الناحية البيئية‏,‏ ولأن المشروع المقترح يقلل من تدهور البيئة في وادي النيل فهذا يعتبر إحدي مزاياه العديدة‏.‏ الجانب الأساسي الذي يجب دراسته هو الجدوي الاقتصادية للمشروع‏,‏ أي مدي نجاحه المؤكد من ناحية الاستثمار‏,‏ وهذا يتم من خلال دراسة جدوي يجريها المختصون بناء علي بيانات حقيقية ومنطقية‏.‏ أما المزايا والمنافع المنتظرة للمشروع فعديدة نوجز منها مايلي‏:‏

  • ‏ الحد من التعدي علي الاراضي الزراعية داخل وادي النيل من قبل القطاع الخاص والحكومي معا‏.‏
  • ‏ فتح مجالات جديدة للعمران بالقرب من أماكن التكدس السكاني‏.‏
  • ‏ إعداد عدة مناطق لاستصلاح الأراضي غرب الدلتا و وادي النيل.‏
  • ‏ توفير مئات الآلاف من فرص العمل في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والاعمار‏.‏
  • ‏ تنمية مواقع جديدة للسياحة والاستجمام في الصحراء الغربية بالشريط المتاخم للنيل
  • ‏ الاقلال من الزحام في وسائل النقل وتوسيع شبكة الطرق الحالية‏.‏
  • ‏تأهيل حياة هادئة ومريحه في بيئة نظيفة تسمح للناس بالابداع في العمل‏.‏
  • ‏ ربط منطقة توشكي وشرق العوينات وواحات الوادي الجديد بباقي مناطق الدولة‏.‏
  • ‏ خلق فرص جديدة لصغار المستثمرين للكسب من مشروعات في حقول مختلفة‏.‏
  • ‏ مشاركة شريحة واسعة من الشعب في مشاريع التنمية مما ينمي الشعور بالولاء والانتماء‏.‏
  • ‏ فتح آفاق جديدة للعمل والتمتع بثمار الانجاز في مشروع وطني من الطراز الأول‏.‏
  • ‏ خلق الأمل لدي شباب مصر وذلك بتأمين مستقبل أفضل‏.‏

وسيلة الانجاز

يتطلب المقترح دراسة مستفيضة بواسطة أهل الخبرة في المهن المختلفة‏,‏ وياحبذا أن يكون من يقوم بالدراسات المطلوبة‏,‏ بدعم من القطاع الخاص المعني‏,‏ خبراء في مراكز الأبحاث والجامعات حتي نتحقق أن المقترح يتم تقديمه جديا بواسطة أهل الخبرة والمعرفة في جميع المجالات‏.‏ في نفس الوقت يجب مناقشة مثل هذا المشروع الحيوي في البرلمان لكي يمكن سن القوانين واتخاذ الاجراءات التي تحمي الناس من الروتين الحكومي أو استغلال بعض العاملين في القطاع الخاص‏.‏

وياحبذا لو بدأ التفكير منذ لحظة الانطلاق بمشاركة أوسع شريحة ممكنة من الناس‏.‏ فيمكن لكل محافظة مثلا البدء في إعداد قائمة بمشروعات التنمية وأولوياتها بناء علي احتياجاتها الحقيقية وفي ضوء مواردها من العمالة الفنية اللازمة وقدراتها الأخرى‏.‏ وفي نفس الوقت يجب عدم المساس باستقطاب عمالة أجنبية للعمل في المشروع مهما كانت الأسباب لأن المصري أو المصرية يمكن تدريبهما للقيام بأي عمل كان وبأعلي مستويات الأداء العالمية‏ وكذلك يمكن تشجيع شباب الجامعات من خلال مسابقات لاختيار مشاريع تنمية تقام في محافظاتهم حتي طلبة المدارس يمكنهم المشاركة بمسابقات لاختيار أسماء الطرق العرضية والمدن والقري التي سوف تنشأ علي جوانبها‏.‏ مشاركة الشباب مهمة للغاية لأن الهدف من المشروع هو تأمين مستقبلهم عبر إتاحة فرص عمل لانهائية أمامهم‏.‏ معني ذلك أن الباب مفتوح علي مصراعيه لمشاركة من يود أن يدلو بدلوه علي شرط أن تكون الأفكار المقدمة ليس الغرض منها هو الكسب الشخصي الضيق والمحدود‏,‏ ولكنها تصب أولا وأخيرا في الصالح العام‏,‏ وهكذا تتقدم الدول ويعمل الناس بعزم ونشاط وولاء وانتماء وتزدهر الحياة مرة أخرى في وادي النيل الخالد‏.

حديثة بعد الثورة المصرية العظيمة

د.فاروق الباز :ابتسمى يا مصر فقد انتهى عهد الفساد والمهانة والعبودية

أرسل العالم الكبير د. فاروق الباز تحيته إلى شباب مصر، الذين قال إنهم حققوا بثورتهم ما لم يكن ممكناً. وفى رسالته، التى اختص بها «المصرى اليوم»، أكد أن الحرية تأتى معها المسؤولية. وقال فى كلمته للشباب: «هنيئاً لمصر وشعبها العظيم، هنيئاً لشباب مصر، الذى رفع رأس كل مصرى ومصرية بتصميمهم وعزمهم، مما جعل الناس جميعاً تلتف حولهم.. لقد جذب هؤلاء أحبال التاريخ لكى تتوالى الأحداث تحت أقدامهم تحت أنظار الناس فى العالم أجمع».

وأضاف: «ابتسمى يا أرض مصر الخالدة، فقد أنبتت تربة النيل ومياهه شعباً أبياً تحمّل العناء والعبودية والفساد لعقود طويلة، لكن هذا الشعب انتفض بكل عزم وإباء لينهى عهداً طاغياً فاسداً. لقد انبهر العالم أجمع لأن هذا الشعب العظيم انتزع حريته بكل هدوء وثبات، وأصر الناس على حريتهم ونالوا ما لم يكن ممكناً بالأمس القريب».

وتابع «الباز»: «مصر الحرة يجب أن تستمتع بهذا الحدث العظيم، علينا أن نعمل معاً على نظافة أرضها وجمال منظرها. مصر الحرة تستدعى أن نغار على كل شبر فيها، علينا أن نزين هذا البلد المعطاء كما نزين العروس المصرية باهرة الجمال، ولابد لنا أن نقدم هذا البلد العريق للعالم أجمع فى أجمل صورة من الآن فصاعداً».

واستطرد: «مصر الحرة تستدعى الفكر الهادئ فى المستقبل، وعلينا أن نعتبر أن مع الحرية تأتى المسؤولية، وكل فرد منا له مسؤولية تجاه الوطن، وعلينا جميعاً أن يقوم كل منا بعمله من الآن فصاعداً وبحرارة غير معهودة تتماشى مع عصر الحرية».

وقال: «إننى أؤمن إيماناً تاماً بأن هذه الثورة المباركة ستزداد سمواً مع الوقت، ومن يحكم مصر من الآن فصاعداً لن يجرؤ على التحكم فى الناس، فمصر بدأت فى الطريق الذى ينقل الناس من الخمول والمهانة إلى الحيوية والنشاط.. هذا الجيل الشاب الواعى قادر على إيصال الوطن إلى مكانة راقية تليق بموقعنا فى منطقتنا والعالم أجمع».

وأضاف: «لقد عادت الابتسامة إلى وجوه المصريين، لقد أنار الأمل الوجوه المحمَّصة فى شمس مصر الدافئة، لقد ابتسم القدر لنا جميعاً فعلينا أن نسير بثقة وأن نعمل على رفعة هذا الوطن العظيم.. مصر حرة.. مصر حرة.. مصر حرة».





حوار الباز مع المصري اليوم جزء 1

د. فاروق الباز: تربيت على حكايات والدى عن الدين والتاريخ الإسلامى.. ووالدتى علمتنى احترام الإنسان
فاروق الباز

لهذا الحوار قصة تُروى وتستحق التسجيل، كان المطلوب إجراء حوار مع الدكتور فاروق الباز عبارة عن عدة حلقات تتناول مشوار حياة الشخصية، والهدف الأساسى الكتابة عن نماذج مشرقة وشخصيات تمنح الأمل لجيل وُلد وعاش سنوات محاطاً بكلمات «الفقر والبطالة والفساد»، كما قال رئيس التحرير حول فكرة الملف. صعوبة هذه المهمة جاءت من إقامة الدكتور فاروق الباز فى الولايات المتحدة، وعدم تواجده فى مصر للإجابة عن أسئلة هذا الحوار الطويل، قمنا بالاتصال به بواسطة البريد الإلكترونى وعرضنا عليه فكرة إجراء حوار على مدار عدة حلقات تتناول حياته الشخصية وأهم المحطات فى حياته العلمية وأبحاثه، وفعلا وصلنا أول إيميل بالموافقة على إجراء الحوار من ناحية المبدأ.

وبدأنا مجموعة من الاقتراحات لإجراء الحوار، كان أولها اقتراح بسفر محرر «المصرى اليوم» إلى الولايات المتحدة ، ثم بدأنا التفكير فى إرسال الأسئلة إلى دكتور فاروق على أن يرسل الإجابات تبعا لجدول أعماله، لكننا كنا ندرك مدى صعوبة هذه العملية، خاصة أن الأسئلة تتجاوز الستين سؤالاً، فاقترحنا أخيراً قيام دكتور فاروق بتسجيل الإجابات صوتيا وإرسالها عبر الإيميل، وفى الحقيقة لم يكن لدينا ثقة فى أن يوافق الدكتور فاروق على هذه الاقتراحات، أو أن يسمح جدول عمله المزدحم باقتطاع هذا الوقت وتخصيصه للإجابة المطولة عن حياته بأكملها تقريبا.

وكانت المفاجأة من نصيبنا عندما وجدنا ترحيبا من الدكتور بالفكرة، وتعامله معها باحترام وإتقان شديدين، لا يمكن معهما القول إلا أن هذا الأمر جزء من شخصية فاروق الباز العالم والإنسان الملتزم بالاحترافية حتى فى أداء أبسط الأمور، وعلى مدار عشرة أيام كاملة لم تنقطع الإيميلات بين «المصرى اليوم» ودكتور فاروق الباز ليطلعنا أولاً بأول على سعيه لتنفيذ الفكرة، وحواراته مع فريق من مهندسى الصوت، وأخيرا أخبرنا أنه استأجر «استديو» خاصاً لتسجيل الحوار، ووضعنا على اتصال مباشر مع المسؤول ليصل إلينا فى النهاية صوت الدكتور فاروق وهو يجيب عن الأسئلة بصبر وأناة، ويأتينا صوته العميق وهو يقول: (أنا فاروق الباز، ولدت فى الزقازيق بمحافظة الشرقية فى الأول من يناير عام ١٩٣٨، وهذا يعنى أن عمرى الآن ٧٢ سنة ونصف، وهذه إجاباتى على أسئلة جريدة «المصرى اليوم» ..........)

■ د. فاروق، دعنا نبدأ بالأسئلة عن نشأتك، وحياتك مع الأسرة، كم عدد أشقائك وترتيبك بينهم؟

- أنا واحد من تسعة أبناء وبنات، وهم بالترتيب: محمد، أسامة، عصام، أنا، ليلى، ثريا، صفاء، حازم، ونبيل. محمد وعصام تقاعدا من سلاح المدفعية برتبة لواء، وأسامة معروف أنه يعمل فى وزارة الخارجية، ليلى ناظرة مدرسة فى القاهرة، ثريا خريجة كلية العلوم وتدرس الكيمياء فى مدارس الرياض بالمملكة العربية السعودية، وصفاء طبيبة ماهرة فى منصب مرموق بوزارة الصحة، حازم أستاذ فى كلية الهندسة بجامعة الشارقة، ثم نبيل آخر العنقود مدير حسابات فى أحد البنوك بالقاهرة.

■ كيف تتذكر طفولتك والحياة الأسرية التى عشتها؟

- أعتقد أن طفولتى كانت سعيدة، فنحن مجموعة من الأبناء والبنات تربينا فى بيت متدين وسط عائلة عادية، أبى وأمى ينتميان إلى محافظة الدقهلية وتحديدا قرية طوخ الأقلام بالقرب من مدينة السنبلاوين بجوار المنصورة، وكانت الحياة الأسرية طيبة للغاية. والدى كان معلما فى المعاهد الدينية بالأزهر الشريف وتربينا كأطفال على التأمل فى العلم والمعرفة، وعندما وُلدت كان والدى يعمل فى المعهد الدينى بالزقازيق لكنه بعد سنتين انتقل إلى معهد دمياط وانتقلنا معه إلى هناك وقضينا بها ١٢ عاما. أتذكر أن المعيشة هناك كانت جميلة للغاية فأهلها طيبون يتميزون بالنظافة واحترام المهنة والعمل، وعشنا فى دمياط حتى انتهيت من المرحلة الابتدائية، بعد ذلك انتقل والدى للعمل شيخا للمعهد الدينى فى شبين الكوم لكن العائلة انتقلت فى تلك السنوات إلى القاهرة بعد أن التحق أخى أسامة بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وأكملت أنا تعليمى الثانوى فى مدرسة القبة الثانوية.. لم تكن المرحلة الإعدادية موجودة فى ذلك الوقت، ثم بدأت حياتى الجامعية.

■ والدك رجل دين أزهرى كيف كانت نظرته للعلوم؟ وهل تأثرت بهذه النظرة؟

- والدى كان قارئا مثقفا ومتفهما، يحاول دائما أن يحصد المزيد من العلم والمعرفة، كانت له مكتبه فى غرفته مع والدتى، حيث يحتفظ بالكتب التى كان يعاملها بكل احترام، وحتى اليوم مازلت أتعامل مع الكتب باحترام مثله، وكان والدى فى المساء يذهب إلى المكتبة ذات الأرفف الزجاجية يحمل كتابا ويجمعنا حوله ويبدأ فى حكى قصص عن الغزوات الإسلامية والتاريخ الإسلامى بطريقة تستهوينا، نفهم منها الدين ونخرج منها بدروس كثيرة فى العلم والإيمان والأخلاق وما إلى ذلك، وبالطبع تأثرنا جميعا بهذه الأصول، فقد كان والدى متميزا باحترامه للدين واحترامه لعمله ويشهد بهذا تلاميذه حتى يومنا هذا.

■ تلعب الأم دورا كبيرا فى حياة أبنائها، إلى أى مدى لعبت والدتك دورا فى تشكيل اهتماماتك؟

- فعلاً والدتى كانت هى أعز أصدقائى طوال حياتى، لأنها كانت ذكية للغاية وتفطن كل شىء، حتى إنها كانت تعرف ما يدور فى مخيلتى قبل أن أتفوه بأى كلمة، وكانت هى مصدر الجذب الأساسى للأسرة وأثرت علينا جميعا فى كل شىء، تتعامل معنا برفق واحترام وعدل ولا نستطيع أن نتعدى أى خط أحمر وضعته لأنها أرادت دوما أن تكون أخلاقنا راقية وهى فى معاملاتها مع الآخرين كانت تحترم كل مَنْ يأتى إليها، وتكرم كل العاملين حتى الباعة الجائلين الذين كانوا يأتون يحضرون إليها البط والخضروات، وهذه الأشياء فى منزلنا سواء فى دمياط أو فى سراى القبة، تعطف عليهم وتطعمهم، وأذكر أنه عندما كان يأتى إلينا ضيف ذو نفوذ كوزير أو أستاذ جامعة كانت أمى تطلب منا أن نأخذ الغداء للسائق قبل أن يأكل الضيوف وتقول: (السواق يا ابنى هو اللى تعبان.. إديله ياكل الأول)، بل إنها كانت تختار له أفضل الأصناف من الأكل، لقد تعلمنا منها ضرورة احترام الإنسان، وأن من يقوم بعمله على أكمل وجه يجب أن نحترمه ونحييه ونعمل على دفعه.

■ ذهبت فى المراحل التعليمية الأولى إلى المدارس الحكومية كيف تصف شكل وطريقة التعليم فى تلك المدارس خاصة فى الأقاليم وخارج القاهرة؟

- نعم تعلمت فى المدارس الحكومية العادية فى دمياط وفى القاهرة ولم يختلف التعليم فى مدارس كلتا المحافظتين فى ذلك الوقت إطلاقا، كان تعليما متميزا، نحترم الأساتذة، لم نكن نسمع إطلاقا عن كلمة «الدروس الخصوصية»، لم تكن موجودة على الإطلاق، وكان الأساتذة يعملون بكل طاقتهم لنفهم كل شىء، طبعا كانت هناك مواد كثيرة يجب أن نحفظها لكن المسألة لم تكن مجرد تلقين وكان المدرس يقول لى مثلا: «إنت فاهم الموضوع ده يا فاروق؟ طيب قول كذا كذا أو اشرحه»، وكنا نأخذ من العلم ما نفهمه ونقدره.

■ هل كانت تستهويك العلوم والظواهر الطبيعية منذ الطفولة؟

- نعم، جداً، وأول ظاهرة طبيعية اهتممت بها كانت فيضان النيل، عندما كنا فى دمياط على ساحل النيل كان الفيضان يؤثر علينا كثيرا، والنيل يرتفع ارتفاعا ظاهرا ويتحول لون المياه إلى الأحمر وتحمل أشجارا من أفريقيا وحيوانات مثل التمساح، وكنا نذهب إلى شاطئ النيل لنشاهد هذا الحدث العظيم، وكنت آخذ أخواتى البنات الأصغر منى ونجمع الأشياء الغريبة مثل أوراق الشجر أو الضفادع، بعد ذلك عندما اشتركت فى الكشافة، خاصة فى القاهرة وأصبحت رئيس قسم «النسر» كنا نخرج إلى جبل المقطم والجبل الأحمر ورحلات استكشافية أخرى استمتعت كثيرا بها حتى إننى كنت بعد انتهاء الرحلة أعود لأصطحب أخواتى البنات ليشاهدن هذه الأشياء التى تعرفت عليها.

■ فى هذه المرحلة المبكرة إلى أى مدى كان لديك تصور لمستقبلك العلمى؟

- فى هذه المرحلة كنت أحلم بأن أكون طبيبا، لأنه فى دروس الأحياء كان الأساتذة يحضرون لنا حيوانات الضفادع والأسماك ويشرّحونها أمامنا فعلا حتى نرى التفاصيل، كان التعليم وقتها متميزا ولم يكتفوا بالشرح النظرى للهياكل العظمية مثلا، وفى إحدى المرات طلب منى الأستاذ أن أشرّح سمكة وشرّحتها ببراعة خاصة، اننى كنت أحيانا أساعد والدتى فى تنظيف السمك، وفرح الأستاذ جدا وعندما أحضر الضفدعة طلب منى تشريحها وفعلا «شرّحتها كويس» فما كان منه إلا أن قال: (الواد فاروق ده هيطلع جراح هايل)، ومن يومها قلت أنا سأكون جراح مخ وطبيباً متميزاً.

■ بصراحة هل كنت طفلا متميزا؟

- يبدو هذا، لأن أبى كان يقول دائما «فاروق ذكى جدا»، واقترح أخى أسامة فى إحدى المرات على أبى أن يذاكر لى فى الصيف لأدخل سنة ثانية ابتدائى مباشرة دون المرور على سنة أولى، وقتها ضحك أبى وقال «يعنى عايز تعلّمه السنة كلها فى الصيف؟ يا سيدى ما ينفعش»، لكن أسامة أصر وحتى لا يغضب وافق أبى، وفعلا درّس لى أخى كل المواد وذهبت مع أبى إلى ناظر المدرسة ليخبره أننى ذاكرت كل مواد أولى ابتدائى، وقتها عقد المدرسون امتحانات لى نجحت فيها كلها ودخلت «سنة ثانية» مباشرة، لذلك عندما تخرجت فى الجامعة كان عمرى ٢٠ سنة فقط.

■ بعد الحصول على الثانوية العامة أردت دراسة الطب لكن المجموع لم يؤهلك، لماذا اتجهت لكلية العلوم وتحديدا قسم الكيمياء والجيولوجيا؟

- «كنت عامل حسابى على الالتحاق بكلية الطب»، لكن المجموع لم يسمح لى إلا بكلية طب الأسنان جامعة القاهرة، أو كلية العلوم جامعة عين شمس، ولأننا كنا نسكن وقتها فى القبة و«طب الأسنان» مشوار بعيد ولم أكن أرغب أصلا فى كلية الأسنان، لأننى كنت أريد أن أصبح جراح مخ قررت الاتجاه إلى كلية العلوم القريبة من منزلنا، وقال لى موظف التسجيل يجب أن تختار من أول السنة أربع مواد منها الفيزياء والكيمياء والرياضيات والأحياء والنبات والحشرات والجيولوجيا، وقتها لم أكن قد سمعت اسم جيولوجيا إطلاقا فسألته: «جيولوجيا دى يعنى إيه؟» قال لى: «يعنى الناس بتروح الجبل وتاخد عينات من الصخور»، فقلت سأدرس الجيولوجيا لأنى كنت أقوم بهذه الرحلات فى الكشافة.. وهكذا كان.

■ بعد التحاقك بكلية العلوم كيف نسيت الطب وانتقلت إلى حالة التفوق والنبوغ المبنى على الحب لهذا المجال؟

- فى كلية العلوم درسنا على يد أساتذة محترمين للغاية ومتميزين جدا، ساعدنى هؤلاء الأساتذة فى تلقى العلوم بفكر جيد وتعرفنا على كل المواد فى الفيزياء والنبات والجيولوجيا والكيمياء، وتخصصت فى دراسة الكيمياء والجيولوجيا لأننى كنت متفوقاً فيهما.

المهم أن التعليم فى ذلك الوقت كان متميزاً للغاية حتى إننى عندما ذهبت إلى أمريكا للدراسات العليا لم يكن هناك أى علم لم أعرف عنه حتى ولو معلومات بسيطة مما علّمها لنا الأساتذة فى مصر وأفهمونا إياها، وكان الأساتذة لا ينتهون من شىء إلا بعد أن نفهمه تماما ونشارك فى عملية التعليم والمعرفة، مثلا أثناء دراسة الجيولوجيا الاقتصادية قال الأستاذ مراد إبراهيم فى اليوم الأول إن لديه عناوين لموضوعات، وإن عددنا ٢٢(أربع بنات و١٨ ولداً)، سنقسم هذه الموضوعات عليكم وكل واحد يدرس الموضوع دراسة تامة ويقوم بتدريس محاضرة لنا عنه، معنى هذا أننا فى الجامعة تعلمنا كيف ندرس شيئاً لا نعرف عنه كلمة، فمثلا أنا أخذت موضوع عن (تياتومز) التى لم أكن أسمع عنها من قبل ودرستها وعرفت كيف تتكون من الأحياء الدقيقة وتترسب هذه الأجسام لتكون طبقة، وما هو شكلها واستخدامها، كل هذا تعلمناه فى جامعة عين شمس، كان هناك تعليم وأساتذه متميزون حريصون على تعليمنا، لذلك يمكن أن نقول إن التعليم فى مصر كان من أفضل الأماكن فى العالم، لكن ذلك لم يعد موجوداً الآن على الإطلاق.

■ هل فتحت لك دراسة العلوم أبواب المعرفة، أم أنها أثارت داخلك المزيد من التساؤلات؟

- طبعا دراسة العلوم مهمة، تفتح العقل وتجعل الإنسان يبحث فى أمور المعرفة، المهم فى العلم كله ألا يأخذ الإنسان الأمور كما هى أو كما أنزلت، لا يوجد شىء فى العلم بهذه الطريقة إطلاقا لكن هناك رأى مبنى على أشياء ويجب معرفة كيف بنى هذا الشخص رأيه ووصل إليه بناء على ماذا وهل هذا الرأى يمكن تغييره ثم نكمل عليه إذا كان مفهوما وتمت معرفته بشكل جيد وهذه النقطة كانت من أهم الأشياء التى استمتعت بها فى دراسة العلوم


حوار الباز مع المصري اليوم جزء 2

فاروق الباز: وزير التعليم العالى أصرّ على تعيينى مدرساً للكيمياء فى السويس بعيداً عن تخصصى.. وذهبت لمكتبه ثلاثة أشهر متصلة ورفض مقابلتى
٢٥/ ١٠/ ٢٠١٠
د.فاروق الباز وسط عدد من زملائه

فى هذه الحلقة، يواصل العالم المصرى الكبير الدكتور فاروق الباز الحديث عن ذكرياته العملية، كيف ذهب للولايات المتحدة للمرة الأولى من أجل الدراسة، وكيف أثبت تفوقه رغم الظروف المعاكسة، وكيف رفضت مصر الاستفادة من علمه وخبراته عندما عاد بعد الحصول على الدكتوراة ليغادر مرة أخرى ويحقق اسمه اللامع عالميا، والأكثر من ذلك،

كيف يرى الدكتور فاروق رغم النجاحات التى حققها شخصيا وعدد من أبناء جيله أن هذا الجيل يمكن أن يحمل تسمية «جيل الفشل».

■ هل فتحت لك دراسة العلوم أبواب المعرفة، أم أنها أثارت داخلك المزيد من التساؤلات؟

- طبعا دراسة العلوم مهمة، فهى تفتح العقل وتجعل الإنسان يبحث فى أمور المعرفة، المهم فى العلم كله ألا يأخذ الإنسان الأمور كما هى أو كما أنزلت، لا يوجد شىء فى العلم بهذه الطريقة إطلاقا، لكن هناك رأياً مبنياً على أشياء، ويجب معرفة كيف بنى هذا الشخص رأيه ووصل إليه بناء على ماذا، وهل هذا الرأى يمكن تغييره ثم نكمل عليه إذا كان مفهوما وتمت معرفته بشكل جيد، وهذه النقطة كانت من أهم الأشياء التى استمتعت بها فى دراسة العلوم.

■ هل كنت تحلم مبكرا بأن تصبح فاروق الباز العالم الشهير؟

- لم يكن فى ذهنى هذا الأمر إطلاقا، كنا نعرف أن البنى آدم المشهور هو من يقوم بعمل طيب ومتميز فتحبه الناس وتحترمه، ومعنى هذا أن الإنسان لن يكون مشهورا إلا بعد أن يقوم بعمل يجعل الناس تحترمه، الاحترام أهم من الشهرة، لأنه يجلب الشهرة والتبجيل للبنى آدم، وعمرى ما بدأت أى شىء فى حياتى بهدف الشهرة لكنى كنت دوما أفعل الأشياء بإجادة تامة، وكان والدى يقول دوما من يفعل شيئا يجب أن يجيده، ومن يعمل فعليه أن يعلّم الناس، وإلا لا نفع فى علمه، وحتى إذا كنت تطبخ ملوخية فلابد أن تطبخها جيدا جدا، أو تكتب خطابا تكتبه جيدا بدون شخبطة وبخط جيد، تقرأ مقالا يجب أن تفهم معناه وملخصه واللغة المكتوب بها ومغزاه هذا هو العمل المجدى والمفيد والطيب، والشهرة لا علاقة لها بهذا الأمر.

■ عشت مراحل تعليمك الأولى فى ظل الملكية والاحتلال الإنجليزى ثم المراحل الدراسية اللاحقة فى ظل الثورة، كيف أثرت هذه المرحلة الانتقالية فى حياة فاروق الباز كما عاصرها؟

- عندما كنا طلبة فى الثانوى كانت البلاد مشحونة بمشاعر طرد الإنجليز وإنهاء الاحتلال، وأن البلد بلدنا يجب أن نحكمه، وكنا نعتقد أن الملك فاروق ماشى مع الإنجليز وبيسمع كلامهم ودا لازم نمشيه، وكنا نقوم بتنظيم إضرابات لهذا الغرض وكانت هذه الاضرابات تقريبا مقبولة من العامة والمسؤولين، وكنا نبدأ الإضرابات وإذا وقع حدث يشحننا مثل تغيير وزارة أو حدث سياسى مثار حديث الناس، كنا نخرج إلى حوش المدرسة جميعا ونهتف مطالبين بإعطائنا علم المدرسة لأننا إذا قمنا بإضراب فسيضم طلاب المدرسة كلها، وإذا حملنا علم المدرسة فلن نتعرض للأذى فى الشارع ولا البوليس يقبض علينا ما دمنا نمسك العلم، وعندما كنا نطلب العَلَم كان الناظر يرفض أن يعطينا إياه إذا وجد أن الوضع فى الخارج متأزم ونعود للحصص، أما إذا كان الناظر والأساتذة متفقين على أن الأمر يستحق غضب وحزن الجميع يعطينا العلم وكنا نأخذه ونمشى فى الشارع نهتف يحمينا البوليس ولا يمسكنا أحد.

هتفنا ضد الملك والاحتلال وقلنا زى ما قلنا وكنا نسير حتى نصل إلى إحدى الجامعات، وكنا فى مدرسة القبة الثانوية نفضل الذهاب إلى جامعة القاهرة فى مشوار تقريبا ثلاث ساعات، حتى نسمع خطابات طلبة كلية الحقوق، وكان أخى أسامة لا يزال وقتها فى الجامعة، وكنا نعرف أن هؤلاء الطلاب محامون يتكلمون بلغة عربية عظيمة ولديهم آراء سياسية هائلة وكنا نستمتع بكلامهم.

وبعد ذلك جاءت الثورة وأنا فى السنة الثانية بالجامعة وعرفنا أنها المخلص والمنقذ، وأن جمال عبدالناصر وشلة الضباط الأحرار مصريون يحكمون مصر لأننا كنا نعتبر أنه منذ أيام محمد على حتى الملك فاروق أن العثمانيين أو الأتراك هم حكامنا مع أنه غير صحيح، لكن زى بعضه، وجاءت الثورة فى وقت كان لدينا فيه حمية شديدة لدعم الثورة وأبنائها، فى ذلك الوقت كانت الحمية الوطنية تشمل الجميع وهذه من المراحل المهمة التى لا أنساها إطلاقا.

■ متى ذهبت إلى الولايات المتحدة للمرة الأولى؟

- بعد التخرج فى كلية العلوم سنة ١٩٥٨ كنت من أوائل الخريجين، وتم اختيارى بـ«الغصب» من قبل وزارة التعليم العالى للتعيين معيداً فى كلية العلوم بجامعة أسيوط، التى كانت فى بداية إنشائها لم تكمل العام الأول بعد، وكانوا يريدون أن يذهب هناك مجموعة من الأساتذة والمعيدين الممتازين خاصة أن الناس لم تكن ترغب فى الذهاب إلى أسيوط حيث كانت أكبر جامعات فى القاهرة والإسكندرية، ولم يكن هناك دافع للذهاب إلى الصعيد، فكان الأمر يتم بالغصب ونُقِل الأساتذة والمعيدون لأسيوط، وفى الحقيقة تمتعنا لأننا كنا نبنى جامعة جديدة،

وهو ليس بالأمر البسيط، وكان الأساتذة يدعموننا والناس فى أسيوط أنفسهم كانوا سعداء بما نفعله لتعليم أبنائهم، وكانوا يخفضون لنا فى أسعار الشقق ويحضرون لنا طعاماً، وقتها كنت أعد الماجستير مع الدكتور «سعد الدين النقادى»، وكان يتم السماح للطلاب المتميزين بالتقدم للبعثات الخارجية، وكنت دوما أقول «سوف أنتهى من الماجستير وأسافر فى بعثة للحصول على الدكتوراة»، لكن فى منتصف الطريق عام ١٩٥٩ جاءتنى بعثة إلى روسيا فسافرت إلى القاهرة لاستشارة أبى وإخوتى الكبار أسامة ومحمد وشرحت لهم الموقف، وكان أسامة قد انتهى من الدراسة وبدأ العمل فى الخارجية ويسافر كثيرا إلى روسيا وأوروبا فقال لى «أنت جيولوجى وتحب الذهاب للجبال كثيرا لو ذهبت إلى روسيا ستذهب للجلوس فى المعامل بموسكو ولن تذهب لأى مكان فالطلاب هناك لا يذهبون لأى مكان،

إلا داخل موسكو وممنوع عليهم السفر»، وشعرت بالخوف فأنا جيولوجى أريد أن ألف الدنيا أمشى على كيفى فى الجبال والأودية دون أن يحدد أحد إقامتى فقررت ألا أذهب، وأخذت قرارا بانتظار بعثة أخرى، بعدها بشهور تم الإعلان عن بعثات أخرى قدمت وجاءت بعثتى إلى أمريكا فسافرت إلى هناك فى ديسمبر ١٩٥٩.

■ عند سفرك إلى الولايات المتحدة للحصول على الدكتوراة كيف استقبلك الأساتذة والطلبة هناك؟

- عندما سافرت أرسلنى المسؤولون عن بعثتى إلى جامعة «ميتزورى» للمناجم فى قرية صغيرة جدا اسمها «رولا» بجانب مدينة سانت لويس فى ولاية ميتزورى فى منتصف أمريكا آخر الدنيا، وصلت هناك يوم واحد يناير، يعنى الناس فى إجازات من أواخر ديسمبر بمناسبة الكريسماس وحتى يوم ١٠ يناير، وعندما وصلت لهذه القرية المقطوعة لم يكن بالجامعة بنى آدم. كلها مغلقة والقرية صغيرة جدا فقط ٣٠٠٠ نسمة رغم أن الطلبة عددهم ٢٠٠٠ يعنى الطلاب تقريبا نفس عدد السكان، المهم بدأت الدراسة بعد ذلك، لكن لم أكن مستعداً للحديث بطلاقة الإنجليزية التى يتحدثون بها، ولا أعرف كيف آكل معهم أو أتحرك بطريقتهم فكانت هناك صعوبات التأقلم مع الوضع فى ذلك الوقت.

■ ما أبرز الصعوبات التى واجهتك فى بداية سفرك، وهل كان نظام التعليم مختلفاً عن أسلوب الدراسة فى الجامعات المصرية؟

- أبدا، الصعوبة الأساسية كانت فى اللغة الإنجليزية، واستمرت هذه المشكلة عدة أشهر، كانت لغتى مكسرة ومهببة، وطبعا أول شىء اشتريت قاموس إنجليزى- إنجليزى، وكنت أحمل معى نوتة أدوّن فيها كل كلمة أسمعها أو أقرؤها ولا أعرفها ومعناها حتى أعرفها وأكتبها بنفسى لأتعلم، ووصل عدد النوتات إلى ٦، كنت أعرف ماذا كتبت فى كل منها، فواحدة للكلمات الجيولوجية، وأخرى للكلمات العامة والحاجات اللى تعلمتها من التليفزيون، وهكذا تعلمت اللغة الإنجليزية، بعدها بكام شهر أصبحت أتحدث جيدا لأننى بدلا من الإقامة مع زملائى العرب ذهبت للإقامة مع إحدى السيدات الأمريكيات المسنات. كانت تؤجر إحدى غرف شقتها، وكنت أغصب على نفسى حتى أتكلم الإنجليزية معها، وفى آخر سنة أجّرت شقة مع زميل جيولوجى من إيران حتى نغصب على أنفسنا ونتكلم بالإنجليزية طوال المدة.

■ هل كنت الطالب المصرى الوحيد الذى يدرس هذا الفرع من العلوم؟ هل كان هناك عرب آخرون يدرسون الجيولوجيا وقتها؟

- نعم كنت الطالب المصرى والعربى الوحيد فى ذلك الوقت، ولم يكن هناك أحد أسأله كيف أتصرف، لكن بعد فترة قصيرة بدأ عدد آخر من الطلاب العرب ثم المصريين فى الوصول، وكنا أعضاء فى منظمة الطلاب العرب، وكان من الطريف التعاون العربى فى ذلك الوقت بين الطلاب العرب الدارسين فى أمريكا والمصريين النابغين العاملين فى الجيولوجيا الذين تعلموا هناك، خاصة الذين كانوا يبحثون عن عناصر المواد النووية، للأسف الشديد كلهم عادوا وعددهم كبير ولم نستفد منهم بشىء.

■ هل مثَّل السفر إلى الولايات المتحدة للدراسة نقلة حقيقية فى حياتك؟

- نعم، نقلة حقيقية، ليس بالنسبة للوسائل التعليمية لأننى تعلمت جيدا فى مصر، وتعليم أمريكا كان امتداداً للتعليم المصرى، لكن الدراسة فى الولايات المتحدة فتحت أمامى آفاقاً أخرى، أولها أننى استطعت التعرف على جيولوجية قارة بأكملها، كنت كل صيف أذهب مع مجموعة من زملائى حول أمريكا، نذهب للشمال أو الجنوب أو الغرب، نتعرف على كل المظاهر الجيولوجية من الجبال والأودية وندخل المناجم، وفى الحقيقة كان الأمريكيون من أجمل ما يمكن فى ذلك الوقت، فنحن كنا طلاباً أجانب، شكلنا غريب ونتكلم لغة غريبة ونذهب لمنجم لا دخل لنا به، لكننا نقول لهم نحن طلاب فى «ميتزورى» ونريد مشاهدة المنجم لنرى عينات،

تساعدنا فى الدراسة، فيدخلوننا ويلبسوننا خوذات ويتركوننا نعمل طوال اليوم ونأخذ ما نريد من عينات وفى نهاية اليوم قبل أن نتركهم يسألوننا إلى أين أنتم ذاهبون هل لديكم مكان إقامة وإذا أخبرناهم بأننا سنبحث عن مكان للمبيت يقولون لا، تعالوا بيتوا معنا، وفعلا كنا نقضى الليل معهم ونتعشى ونفطر قبل توديعهم فى الصباح للاتجاه للمنجم الذى يليه وهكذا، فالناس كانوا طيبين للغاية وساعدونا بطريقة هائلة.

■ متى بدأ الأساتذة الأمريكيون يدركون أن هذا الطالب متميز؟ وكيف تعاملوا مع تميزك؟

- والله فى الحقيقة فى النصف الأول من أول سنة كنت أريد تغيير الجامعة والذهاب إلى جامعة MIT القريبة من جامعة هارفارد لأن أخى أسامة كان قادما للحصول على الدكتوراة من هارفارد، وقلت أكون فى جامعة بجانبه ونعيش مع بعض، وحاولت لكن الأساتذة فى «ميتزورى» نصحوا المكتب التعليمى المسؤول عنى بعدم نقلى لأنى طالب ممتاز، ويبدو أن هذا التميز هو ما منعنى من النقل والعيش مع أسامة، لكن الظروف سمحت وانتقلت بعدها بسنة إلى MIT وهناك اتضح لى أن الجامعة التى كنت أدرس بها فى «ميتزورى» كانت فى نفس المستوى، وربما أفضل بالنسبة لدراسة الجيولوجيا.

■ تخصصت فى دراسة «الجيولوجيا الاقتصادية» ما معنى هذا المصطلح ولماذا اخترته تحديدا؟

- الجيولوجيا الاقتصادية تعنى بالأشياء المدفونة فى الأرض، التى تستخدم فى الاقتصاد الوطنى، مثل البترول والفحم والحديد والنحاس والفيروز وغيرها، ولم أخترها لكن تخصصت فيها لأنها كانت موضوع بعثتى وزمان عندما كنا طلبة لم يكن مسموحا لنا بالتغيير لموضوع آخر، نقبل ما يقدم لنا وندرسه ونستمر فيه. يعنى كنت عايز أكون طبيب، ما نفعش رحت العلوم ودرست الجيولوجيا، والماجستير فى جامعة أسيوط فى جيولوجيا الحفريات لكن ذهبت فى البعثة لدراسة الجيولوجيا الاقتصادية يعنى المعادن، فالواحد كان اللى بيتقدم له بيبلعه ويدرسه كويس ويخلص لا نقول لا مش عاجبنى، هاعمل حاجة تانية، المهم إن الواحد الحاجة اللى يعملها يعملها كويس.

■ بعد انتهائك من الدراسة فى أمريكا عدت إلى مصر، لكنك سافرت سرا إلى الولايات المتحدة لماذا؟

- فعلا بعد الدراسة فى أمريكا والحصول على الدكتوراة كان أول عمل حصلت عليه فى جامعة «هايدلبرج» فى ألمانيا قبل الرجوع لمصر، وقبلت هذا العمل لرغبتى فى الفرجة على جيولوجية أوروبا، لو قبلت شغل فى ألمانيا يمكن أذهب لجبال الألب وأتفرج على مناجم الفحم والحديد فى ألمانيا، ومناجم الفوسفات فى فرنسا وإسبانيا ومناجم كثيرة فى أوروبا لم أكن شاهدتها، وكنت أريد التعرف عليها وأخذ عينات منها، لأن غرضى أثناء الدكتوراة كان عندما أعود لمصر أن أؤسس مدرسة فى الجيولوجيا الاقتصادية ليس لها مثيل فى العالم،

وكان عندى إصرار أنه فى يوم من الأيام يأتى إلينا طلبة من أمريكا يدرسون ويحصلون على الدكتوراة من عندى، لم أكن أقول هذا الكلام «تهجيص» كنت أقوله بناء على أنى تعلمت أحسن تعليم فى الدنيا، وقابلت جيولوجيين فى أمريكا وأوروبا من أولهم لآخرهم وجمعت عينات من كل الأماكن المهمة جيولوجياً فى أمريكا وأوروبا، معنى ذلك أننى كنت مستعداً وكنت أجمع لهذا الغرض كل الكتب التى أحتاجها والمطبوعات،

وأشترك فى كل الجمعيات العلمية، لم أكن أمتلك أشياء مثل الغسالة والطفاية والتليفزيون، ولم أكن ألبس كويس، لكن كان عندى كل الأشياء المهمة للدراسة وشحنت على حسابى لمصر ٤ أطنان من الصخور، ومنذ أيام كانت زوجتى تذكرنى بتلك الأيام، كانت هى حاملاً فى ابنتنا، وكانت كل يوم تقضى فترة بعد الظهر فى لف العينات فى ورق جرائد لوضعها فى صناديق لمنع احتكاكها حتى تصل العينات سليمة.

لكن عندما رجعت لمصر وجدت وزارة التعليم العالى تخبرنى أنى سأدرس الكيمياء فى المعهد العالى بالسويس، وكان الموضوع غريبا فجامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية وأسيوط بها أقسام جيولوجيا لكن لا يوجد بإحداها تخصص الجيولوجيا الاقتصادية، والغريب أن رؤساء الأقسام فى الجامعات الأربع كانوا أساتذتى يعرفوننى ويحبوننى ويريدوننى لكن الوزارة رفضت، طيب أنا عندى دكتوراة فى الجيولوجيا، أدرّس كيمياء بناء على إيه؟

والراجل يقوللى يعنى يا سيدى مش هتعرف تفتح كتاب الكيمياء فصل فصل وتقول للعيال؟ أقوله ما تجيب حد تانى يعمل كده، أنا مالى إشمعنى أنا، المهم كافحت سنة بأكملها فى مصر عام ١٩٦٦ لتغيير هذا الوضع وأقول لهم طيب لو الوزير شرح لى بناء على إيه أدرّس كيمياء سأقبل الوظيفة تانى يوم، لكن أفهم بناء على إيه، ولمدة ثلاثة أشهر يوميا من ٩ صباحا كنت أذهب لمكتب الوزير لمقابلته والوزير يرفض مقابلتى،

والمهم استطعت أن أوصل أوراقى إلى الرئيس جمال عبدالناصر الذى أشّر على الأوراق بالقلم الأحمر وكتب «السيد وزير التعليم رجاء النظر»، والراجل ماعندوش نظر، ماعملش حاجة، لأن الرئيس لم يكتب رجاء النظر والإفادة، فالجملة الأولى تعنى إنتو بتدوشونى ليه لكن الثانية تعنى انظروا فى الأمر وحلوه وقولوا لى إنكم حليتوه ولم يحدث شىء.


حوار المصري اليوم مع الباز جزء 3

د. فاروق الباز يواصل الحديث: السادات أعلن للطلبة المصريين فى أمريكا تعيينى مستشاراً علمياً له قبل أن يخبرنى
٢٦/ ١٠/ ٢٠١٠
الباز مع السادات

يواصل العالم المصرى الكبير الدكتور فاروق الباز حوار الذكريات، متحدثا فى هذه الحلقة عن أهم مشروعاته العلمية فى تدريب رواد الفضاء ضمن رحلات «أبوللو»، ويكشف العديد من الأسرار حول تلك الفترة، إضافة إلى علاقته بالرئيس السادات، وكيف عمل معه مستشاراً علمياً بموافقة من حكومة الولايات المتحدة، وكيف دعمه السادات، واستفادت مصر من خبراته الطويلة فى مجال الجيولوجيا، وكيف يرى وضع البحث العلمى فى مصر حالياً.

■ حالياً أنت تشغل مدير مركز الاستشعار من بعد بجامعة بوسطن.. كيف تم اختيارك لشغل هذا المنصب؟

- دعيت لإقامة مركز أبحاث الفضاء بجامعة بوسطن وإدارته فى عام ١٩٦٨، فى ذلك الوقت كنت نائب مدير قسم التكنولوجيا والعلوم فى مؤسسة اسمها «آى تك» بالقرب من بوسطن، وكانت مسؤولة عن إنتاج أجهزة التصوير المتقدمة، وطلبت منى جامعة بوسطن الإشراف على مركز لاستخدام الصور الفضائية فى الجامعة يكون مظلة لثلاثة أقسام هى قسم الجيولوجيا، وقسم الجغرافيا الخاص بالتضاريس، وقسم الآثار لاستخدام تطبيقات الاستشعار من بعد فى البحث عن الآثار، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن أدير المركز، وعلى مدار هذه السنوات تخرج فى هذا المكان عدد هائل من الطلبة، الغالبية العظمى منهم من الصين وعدد غير قليل من العالم العربى خاصة من مصر، وخلال شهور الصيف يأتينا عدد كبير من العلماء للتدريب فى المركز.

فى الحقيقة إدارة هذا المركز شىء رائع، وبالنسبة لجامعة بوسطن كان الموضوع أنى سأنشئ المركز وأكون مسؤولا عنه، وخلال تلك السنوات من المفروض أن يكون عندى ثلاثة رؤساء هم: العميد ونائب الرئيس والرئيس، وفى الجامعة حتى اليوم لم يسألنى أحد منهم «إنتم بتعملوا إيه؟ أو فلوس أبحاثكم مصدرها إيه؟» فأنا أدير المركز وملتزم بتوفير التمويل للقيام بالأبحاث، وأعيّن الناس وأقبل المتدربين، والميزانية كلها يتم توفيرها من خارج الجامعة التى تعطينا فقط ٣٠ ألف دولار فى السنة للمصاريف الخاصة بالكهرباء والتليفون والفاكس، وفى مثل هذه المواقف يجب أن تكون أبحاثنا مهمة جدا، ولها نفع لتدفع الآخرين لتمويلنا من خارج المكان، وهذه الصفة واحدة من أسباب نجاح المؤسسات الأمريكية.

■ على مدار سنوات عملك فى الخارج، هل مرت عليك نماذج مصرية نابغة من العلماء؟

- النماذج المصرية المتميزة كثيرة، وتسعدنى جداً رؤية الجيل الجديد، وأتمنى أن يقودوا مصر، وقد كتبت فى إحدى المرات مقالاً بعنوان «جيل الفشل» تكلمت فيه عن جيلى تحديدا، وقلت إنه فشل فى تحقيق أى من أمانى الشعب العربى، كان عندنا أربعة أهداف: أولها إقامة وحدة عربية، تحرير فلسطين، عدالة اجتماعية فى الوطن العربى، ومحو الأمية. لم يتحقق أى من هذه الأهداف لأننا اعتمدنا على المؤسسات للتنفيذ، والحقيقة أن المؤسسات خربانة لا تصلح لشىء، لم نعتمد على البشر، عندما نعتمد على مؤسسة ننسى الإنسان، والإنسان الصالح هو الذى يعمل مؤسسة صالحة، وأقول إننا يجب أن نتنحى عن القيادة ونترك المجال لصغار السن غير المربوطين بمؤسسات، وبطريقتهم المختلفة فى التفكير يستطيعون الإصلاح.

■ فى رأيك لماذا يظهر نبوغ العلماء المصريين فى الخارج، بعيدا عن مصر؟

- لا أحد فى مصر يرى النبوغ، بينما فى الخارج الناس تقدّر النبوغ، خاصة أنه يظهر فى ظل مناخ يؤهل ويقدّر النبوغ ويحتفى المسؤولون عن العمل بكل من ينبغ فى شىء ما، لأنهم يقدرون العلم والمعرفة، وفى نظرى سنصل لهذه المرحلة عندما يظهر جيل جديد قادر على العمل، فاهم وقادر على تدعيم العاملين وليس المؤسسات، لأن الفرد هو عماد الأمم.

■ متى انضممت إلى وكالة ناسا لأبحاث الفضاء؟ وكيف تم هذا الاختيار؟

- عندما تركت مصر نهاية عام ١٩٦٦ سافرت إلى أمريكا، وبدأت أبحث عن عمل، وطبعا فى مجال تخصصى وهو الجيولوجيا الاقتصادية، وبدأت من الجامعات التى أعرفها، لكن التوقيت لم يكن مناسباً لأنهم كانوا قد عيّنوا الناس فعلا مع بداية السنة الدراسية شهر سبتمبر، بينما أنا رجعت إلى أمريكا فى ديسمبر، وحاولت العمل فى شركات التعدين، وكنت أكاتب مسؤولى المناجم، فكتبت ١٢٠ خطاب طلب عمل، وخلال هذه الفترة كنت أعمل فى أى شىء حتى وصلنى رد على أحد طلبات العمل من مؤسسة «ناسا» فى العاصمة واشنطن وطلبوا منى الذهاب لإجراء مقابلة معهم، وهناك سألونى عدة أسئلة أحسست خلالها أن لديهم انطباعاً إيجابياً عنى، وأنه «ييجى منى» مع أن الرجل الذى عيننى هناك قال لأحد الرؤساء الجيولوجيين فى «ناسا» سنعين رجلاً مصرياً «جيولوجياً»، وفى الغالب لن يستمر معنا، فهو لا يعرف شيئا عن القمر.

■ هل كنت العربى الوحيد فى «ناسا» فى ذلك الوقت؟

- نعم المصرى والعربى الوحيد فى ذلك الوقت، وكل الموجودين كانوا من الأمريكيين المتخصصين، ويصل عددهم إلى ٧٥ جيولوجيا، وعندما دخلت ناسا كان لدىّ هدف، وهو أن أثبت لزملائى من الجيولوجيين أنى أستحق الاحترام وإلا هيحترمونى بناء على إيه؟، فأنا شكلى غريب واسمى غريب و«متهبب على عينى» لا أعرف ما يجعلنى أفضل منهم، بمعنى أنى يجب أن أشتغل وأذاكر وأدرس أكثر منهم، وفعلا كنت أعلم نفسى لأنه لا أحد سيعلمنى، فأنا رجل أحمل درجة الدكتوراه ولابد أن أعلّم نفسى، هذه الدرجة تعنى شيئا واحدا فقط- قبل الحصول عليها تستدعى أستاذك ليُمسك يدك ويعلّمك- أنك قادر على البدء فى تعليم نفسك وليس معناها أننى وصلت لأنه لا أحد يصل.

■ ما دورك فى برنامج رحلات أبوللو؟

- كنت ضمن المجموعة التى تبحث سؤال: أين يهبط رواد الفضاء على سطح القمر؟ كان هناك ست رحلات للقمر، وكان السؤال: أين سينزل هؤلاء؟ ولماذا ينزلون فى هذا المكان تحديدا على القمر؟، هل هذه الأماكن مستوية حتى لا تنقلب السفينة؟، وهل هذه الأماكن مهمة علميا حتى يعطوا لنا معلومات جيدة؟ وخط سيرهم على القمر؟ والإجابات تكمن فى الدراسات المستفيضة لكل المعلومات عن سطح القمر، خاصة الصور الفضائية المأخوذة للقمر قبل الرحلات، وعمل مخطط للرحلات، وقد أجدت فى عملى حتى وصلت إلى منصب السكرتير العام للمجموعة، وكنت أمثلهم أمام إدارة «ناسا» وكنت مسؤولا عن إخبار المسؤولين والمهندسين فى «ناسا» بـ«هيوستن» عن الرحلات الفضائية، ولماذا اخترنا هذه المواقع وأشرح الأسباب العلمية والجيولوجية لاختيار هذه المواقع للهبوط فى سهولة.

■ هل صحيح أن زملاءك فى «ناسا» يطلقون عليك اسم «الملك» «The king»، ولماذا؟

- صحيح، فأنا رجل مصرى اسمى فاروق، والتاريخ الذى يعرفونه عن مصر أنها البلد التى يحكمها الملك فاروق وعندهم فى «ناسا» رجل اسمه فاروق، ولأن كلاً منهم لديه اسم دلع وأصبح اسم الدلع الخاص بى «الكينج»، خاصة بالنسبة لرواد الفضاء.

■ قمت بتحديد أماكن هبوط رواد الفضاء على سطح القمر.. كيف تعرفت على أنسب هذه الأماكن خاصة أنها المرة الأولى التى يهبط فيها الإنسان على سطح القمر؟

- كنا نختار مواقع الهبوط من خلال عدد من المواصفات، أولا من ناحية سهولة الوصول، ثم سهولة الهبوط، وسهولة ارتكاز السفينة، ثم سهولة الوصول من باب السفينة إلى الأماكن، التى نريد دراستها جيولوجيا، وكل هذا كان يحكمه العلم والمعرفة لسطح القمر بالتفصيل، لذلك كنت مهتماً جداً بكل التفصيلات، التى ممكن أن نقولها لندعم رواد الفضاء لفهم مواقع الهبوط، لأنها أهم خطوات الرحلة.

■ ذكر أحد رواد الفضاء (ألفريد وردن) أنه أثناء رحلته إلى القمر كان يتذكر ما كنت تشرحه لهم ويشعر كما لو كان فى هذا المكان من قبل، كيف تكونت لديك هذه الصورة الكاملة عن مكان لم تذهب إليه من قبل؟

- «الفريد وردن»، فى أول وثانى لفة حول القمر قال أنا من تدريب «الملك»، أشعر كأنى كنت هنا من زمان، وذلك لأنه درس كل التضاريس دراسة متميزة وشرحت له كل شىء بإسهاب، وكان متمعناً فى هذه الدراسة.

■ طوال سنوات عملك فى ناسا لماذا لم تذهب فى أى من الرحلات إلى الفضاء؟ وهل راودتك الفكرة؟

- كانت هناك فرصة عندما جاءوا إلينا قبل أول رحلة وقالوا لنا نحن العلماء ممكن نفتح لكم باب الدخول إلى التدريب كرواد فضاء، بشرط قضاء سنتين بالكامل، بعيدا عن العائلة فى التدريب على الطيران فى مطار كاليفورنيا، وقتها كنت متزوجا وعندى بنات، كان لدى اهتمام بالفكرة لكن ضرورة ابتعادى سنتين مع وجود احتمال لأن أصبح رائد فضاء أولا جعلتنى أتراجع، لم يكن المهم عندى الطيران فى الفضاء لكن الاستفادة والتعلم من الفضاء، ورأيت كل تضاريس القمر من خلال عيون الرواد، لكن مثلا هناك اثنان من زملائى الجيولوجيين خاضا التجربة، أحدهما كان غير متزوج وأصبح واحداً من رواد الفضاء، الذين سافروا إلى القمر، لكن الآخر تدرب سنتين لكنه لم يذهب إلى الفضاء الا بعدها بعشرين سنة، مين اللى كان هينتظر عشرين سنة ليطير للفضاء؟.

■ كيف تصف رحلة «أبوللو١١» التى سار فيها الإنسان لأول مرة على سطح القمر كعالم وإنسان، كما عشتها داخل «ناسا»؟

- كلنا فى ناسا كنا مشغولين للغاية، بالتساؤلات حول هل ستهبط السفينة؟ هل ستتحملها تربة القمر؟ ماذا سيحدث للرواد؟ هل سيحدث شىء يخرب السفينة أو الرحلة؟ كان الجميع داخل «ناسا» مشحونين بهذا الشعور، وكنت شخصياً مشحوناً جداً لأنى أعرف الرواد شخصيا إخوة وأصدقاء وزملاء عمل، وأعرف عائلاتهم، وإذا حدث بالرحلة أى عطل فسيتأثرون، لكن فى اللحظات التى قالوا إنهم هبطوا بسلام انتعشت الروح فى «ناسا»، خاصة مع النجاح الباهر الذى حققته الرحلة وأسعدنا جميعا.

■ بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على هذه الخطوة.. ما مدى مساهمة هذه الرحلة فى تطور استفادتنا من معرفة طبيعة القمر؟

- فى حقيقة الأمر تعلمنا الكثير عن القمر خلال هذه الفترة، لأن القمر والأرض خلقا فى نفس اللحظة من الزمن، وتكونا من نفس العناصر الكيميائية لكن بنسب مختلفة، القمر كأنه كتلة باردة ولم يحدث فيه تطور غريب منذ ذلك الحين، لكن الأرض استمرت فى التطور وما زالت تتطور حتى يومنا هذا، معنى ذلك أننا يمكن أن ننظر للقمر باعتباره نافذة على تاريخ الأرض القديمة، لأنهما مرا بنفس الظروف الجيولوجية.

■ شاركت عام ١٩٧٥ كرئيس للملاحظة الكونية والتصوير فى مشروع «أبوللو سويوز» المشروع الفضائى الأول بين أمريكا وروسيا، كيف تصف هذا المشروع، وهل كان الهدف منه سياسياً أكثر منه تعاوناً علمياً؟

- رحلة «أبوللو سويوز» كانت أول رحلة فضائية مشتركة بين أمريكا وروسيا، وكان الهدف الحقيقى منها التعاون العلمى بين البلدين، خاصة فى مجال علوم الفضاء، لأنه لو كان هناك سفينة أمريكية وحصل بها عطب ولم يكن هناك الإ سفينة أخرى روسية قريبة منها وتستطيع حمايتها، فلا بد أن يتعاونا، أو حدث بسفينة روسية خلل فيمكن لسفينة أمريكية أن تنقذ ركابها، أما الهدف العلمى فكان التصوير الفضائى وعمل ملاحظات تفيدنا فى دراسة الأرض من الفضاء، أما أهم ما نتج عن هذه الرحلة تعرفنا على الكثير من تضاريس الأرض، خاصة فى الصحراء العربية والصحراء الغربية فى مصر، وكانت هذه التضاريس تشبه إلى حد كبير الصور التى تم التقاطها لكوكب المريخ، معنى ذلك أننا تعرفنا من خلال رحلات «أبوللو سويوز» على أن الصحراء الغربية فى مصر وسطح المريخ مرا بنفس الظروف الجيولوجية، منها أمطار غزيرة كونت أودية وبعض المياه تجمعت فى برك ونزلت تحت الأرض فى شكل مياه جوفية فى مصر وثلج فى المريخ، بعد ذلك تغير المناخ تغييراً كاملاً انتهت الأمطار وجفت المناطق وبدأت الريح تشكل من الأرض، وينتج عن هذا تكوين الكثبان الرملية فى المكانين، ففى الحقيقة المقارنة بين المريخ والصحراء فى مصر كانت أهم نتائج «أبوللو سويوز».

■ هل صحيح أنك أعطيت «نيل أرمسترونج» سورة الفاتحة ليضعها على سطح القمر؟ لماذا؟

- نعم لكن فى رحلة «أبوللو ١٥» وليس رحلة «نيل أرمسترونج»، ففى رحلة «أبوللو ١٥»، حدث الكثير من التغييرات، منها إضافة السيارة القمرية ومعامل علمية فى جدار السفينة إضافة كاميرا بانورامية وكاميرا طبوغرافية، وكنا نخاف أن تتسبب هذه الإضافات فى حدوث خلل للسفينة، وكنا نخاف على هذه الرحلة وإمكانية أن تخرب فأنا أخذت الفكرة وقلت للرواد الثلاثة سأعطيكم سورة الفاتحة من القرآن الكريم لحمايتكم، وقال الرواد وقتها نحن نحتاج كل الحماية التى يمكن أن نأخذها، وأخذت الفاتحة باللغتين العربية والإنجليزية من صفحات مطبوعة فى باكستان، وقبل أن أعطيها لهم أخذت بناتى الأربع وصليت العشاء معهن ودعونا للرواد، وجعلت بناتى يكتبن أسماءهن على هذه الصفحة، باعتبار أنهن سألن الله حماية هذه الرحلة وأخذها الرواد معهم، وسارت الرحلة على ما يرام.

■ عام ١٩٧٨ عملت كمستشار علمى للرئيس السادات، كيف تم اختيارك لهذا المنصب؟ وما المهمات التى كان من المفترض القيام بها؟

- تعرفت على الرئيس السادات عام ١٩٧٤، فبعد الانتهاء من برنامج «أبوللو» قمت برحلة شملت كل دول الخليج العربى لتقديم محاضرات عن النتائج العلمية لرحلات «أبوللو» إلى القمر فى جامعات الخليج، وفى ذلك الوقت لم أكن رجعت على مصر لكننى رجعت من الخليج على أمريكا، وفى يوم من الأيام كلمنى الوزير «إسماعيل فهمى»، وزير خارجية مصر فى واشنطن، وقال إن الرئيس السادات يقول إنك تسافر لتقدم محاضرات فى الخليج عن رحلات القمر، ولم تأت إلى مصر، فقلت إن هذه الرحلة كانت مرتبة بهذا الشكل من جانب وزارة الخارجية الأمريكية، فقال لازم تعمل حسابك تيجى على مصر، وفعلا بدأت الترتيب لزيارة مصر، حيث كان عندى رحلة إلى الدوحة مع زوجتى وبناتى وقلت نذهب لمصر أولا،

وفعلا جئت إلى مصر واستقبلنا فى المطار جمال السادات، ابن الرئيس، وذهب معنا للمنزل وشرب شاى وأكل بسكويت، وقال لى بابا عايز يشوفك بكره الساعة ١١، وفعلا جاءتنى سيارة فى العاشرة صباحاً أخذتنى إلى القناطر، وكان الرئيس المصرى الوحيد الذى قابلته، وكان يقف فى منتصف الغرفة ينتظرنى وسلم بحرارة قائلا: أهلا فاروق، ووضع يده على كتفى وأخذنى لأجلس بجانبه على الكنبة ودار بيننا حوار، قال فى نهايته إنت تقدر تقوم بأبحاث فى مصر مع الناس إللى إنت عايزها وعندما تواجهك أى صعوبات تعالى قابلنى شخصيا لأحلها لك، لقد كانت كلمة عظيمة من رئيس دولة محترم، وخرجت من هذه المقابلة مباشرة إلى جامعة عين شمس، لمقابلة أحد أساتذتى وزميلى وقلت لهما نريد أن نقوم ببحث علمى مشترك على الصحراء الغربية، وأنا سأحضر كل الفلوس الخاصة بالأبحاث ونشترى سيارتين جيب، وفعلا بدأنا مشروعاً علمياً متميزاً استمر لمدة سبع سنوات، وخرجنا بنتائج مهمة كمعرفة أصل الرمال فى الصحراء وأماكن المياه قديماً وأين تجمعت فى بحيرات،

وفى إحدى رحلات الرئيس السادات لأمريكا بعد مقابلتى له بأربع سنوات أثناء محادثات السلام مع إسرائيل قال لى تعال معى أثناء مقابلة الطلاب المصريين الذين يدرسون فى أمريكا وتحدث معهم عن قيامه بخطوة السلام، حتى ننظر للمستقبل ونصلح البلد، وقال أريدكم أن تتعلموا من الأمريكيين كل شىء وتطلعهم الدائم لاستخدام كل شبر فى وطنهم، وأنا وقعت لهذا السبب قراراً جمهورياً بتعيين دكتور فاروق الباز مستشارا علميا للرئاسة، لم أكن أعلم وقتها شيئا عن هذا الأمر، وعندما انتهى جريت خلفه وأمسكت بيده قائلا سيادة الرئيس أنا حاليا أعمل فى الحكومة الأمريكية ولا يصح العمل فى حكومتين فى الوقت نفسه، فرد مالكش دعوة أنا هكتب للرئيس كارتر وفعلا وافقت الحكومة الأمريكية، وكنت كلما سافرت لمصر كنت أزوره لأبلغه بآخر النتائج التى توصلنا إليها وفى أثناء هذه الفترة سافر فى إحدى المرات لمدة أسبوعين معى فى الصحراء الغربية ليتفقد المشروع بنفسه، فى الحقيقة احترمت هذا الأمر فى الرئيس السادات لأنه كان يريد أن يعرف ويسأل ويتعلم حتى يفهم كيف يستخدم هذه النتائج فى دعم الاقتصاد المصرى.

■ هل تعاملت مع مراكز الأبحاث العلمية فى مصر مؤخرا؟

- الوضع العلمى للأبحاث جزء من الوضع الاجتماعى العام، ومراكز الأبحاث جزء من الوطن مش هيكونوا أحسن من شىء آخر، وكلما كان الوضع فى البلد سيئاً ساءت حالة الأبحاث العلمية، يعنى لو كانت مصر زى الفل تبقى الأبحاث زى الفل وإذا كان وضع البلد مش كويس تبقى الأبحاث مش كويسة.

■ قدمت عدداً من الأبحاث حول وجود مياه فى منطقة شرق العوينات.. هل تمت الاستفادة من هذه الأبحاث فى مجال الزراعة والتعمير؟

- منطقة شرق العوينات كان بها بحيرة فى قديم الزمان، وعلى مدار السنوات ذهبت المياه إلى باطن الأرض وكونت مياهاً جوفية وفعلا الآن يوجد أكثر من ٨٠٠ بئر فى هذه المنطقة وحاليا يزرع بها القمح والحمص والفول السودانى، والقمح المزروع هناك يذهب إلى أسوان لصناعة الخبز.


حوار الباز مع المصري اليوم جزء 4 و الاخير

د. فاروق الباز: عائلتى لم تشعر أبداً بأن زوجتى أجنبية أو غير مسلمة لأنها كانت فى أخلاقها تشبه أخلاق أخواتى البنات

٢٧/ ١٠/ ٢٠١٠

فى الحلقة الأخيرة من حوار الدكتور «فاروق الباز» يتحدث الرجل عن علاقته الأسرية بزوجته وبناته وحتى قريته الصغيرة فى الدلتا، وعن عاداته فى القراءة، ومتابعته للشأن المصرى الحالى، وفى صراحة تامة يعلن رأيه فى الأوضاع الحالية للمجتمع المصرى، وحالة الحراك السياسى، ورأيه فى الدكتور محمد البرادعى وحقه - وحق الجميع - فى الترشح لأى موقع قيادى بما فى ذلك رئاسة الجمهورية

■ هل يمكن أن تحدثنا عن أسرتك.. زوجتك وأبنائك؟


- زوجتى أمريكية من بوسطن، كانت فى جامعة نورث إيسترن بالقرب من جامعة MIT التى درست بها سنة قبل حصولى على الدكتوراة، تزوجنا وأنجبت ابنتى الأولى منيرة قبل سفرنا لألمانيا مباشرة التى عشنا فيها سنتين تقريبا، ثم رجعنا إلى مصر وهناك أنجبت زوجتى ابنتنا الثانية ثريا، ثم رجعت إلى أمريكا وأنجبنا كريمة وفيروز.


زوجتى لديها اهتمام بالعلوم وتاريخ الفنون تحديدا، وربما انعكس هذا الاهتمام على بناتى وجعلهن مهتمات بهذا الفرع سواء تاريخ الأدب أو الفن، وهذا بالنسبة لى كويس علشان ما فيش علماء يكلموا علماء زيادة عن اللزوم، وقال لى البعض لماذا لم تجعل بناتك يدرسن العلوم، لكن رأيى أن يدرسن ما يحببنه.. «هو فى حد من إخواتى أو أبى أو أمى قالوا لى ادرس كذا؟..

أبدا عمره ما حصل، الواحد بيدرس الحاجة اللى هو كويس فيها أو بيحبها»، وحاليا منيرة تعمل نائب رئيس مؤسسة موسيقية كبيرة، وثريا تدير مدرسة، وكريمة فنانة لكنها لا تعمل الآن لانشغالها مع طفليها، وفيروز تعمل فى الفن بأمريكا وكلهن يعشن فى أماكن عملهن.. منيرة مثلا فى نيويورك، وثريا فى واشنطن العاصمة، وكريمة فى بروكلين، وفيروز فى لوس أنجلوس.. متفرقون لكننا نجتمع فى المناسبات والأعياد.


■ كيف توزع وقتك بين الحياة الأسرية والانهماك فى العمل؟
- أقضى فى العمل معظم الوقت، أبدأ العمل من السابعة صباحا إلى السابعة مساء، وهذا زيادة على اللزوم، وليس هناك وقت للحياة الأسرية، وطبعا فى الماضى كان وقت العمل أطول، فأيام أبوللو مكتبى كان فى واشنطن وكل الشغل كان إما فى هيوستن أو فلوريدا،

وكنت أخرج من منزلى فى الثانية صباحا وأظل خارج المنزل حتى يوم السبت، معنى ذلك أننى كنت أسافر أسبوعيا إلى هيوستن أو فلوريدا لمدة ست سنوات هى فترة العمل فى برنامج أبوللو، فى هذه الأيام كبرت البنات وتربت بفضل زوجتى وحدها دون اشتراكى معها، طبعا هذا العمل أثر على الوقت المفروض قضاؤه مع العائلة وأشعر بنقص فى هذا الجزء لأننى مازلت حتى اليوم فى حالة الانهماك فى العمل لدرجة أننى لا أستمتع ببعض الأشياء الأسرية كما يجب.


■ ما روشتة نجاح زوجة العالم فاروق الباز؟


- فى الحقيقة روشتة نجاحها أن أخلاقها تشبه أخلاقنا تماما، وتميزت بأنها كانت مثل أخواتى البنات فى كل شىء، وفى مدة العامين اللذين قضيناهما فى مصر كونت صداقات قوية مع أخواتى حتى اليوم، وهن أحببنها جدا وكانت أمى تعاملها كإحدى بناتها، لقد تماشت زوجتى مع العائلة تماما، ولم يشعر أحد إطلاقاً بأنها غريبة أو أجنبية أو أنها غير مسلمة، وتعاملت هى معنا بحب واحترام وتفاهم وهو ما جعل حياتنا الزوجية سعيدة جدا.


■ هل كنت تواجه أحيانا غضبا من زوجتك أو بناتك بسبب اهتمامك بالعمل على حساب علاقتك بهن؟


- طبعا، مهما كان فالغياب التام أسابيع كاملة، قد تحدث خلالها مشاكل فى البيت، ولم يكن لدينا سيارة وزوجتى لا تعرف القيادة، وطبعا الزوجة تغضب من هذه الأشياء ونتكلم ثم نتصالح ونمشى الحال، والآن نأخذ إجازات مع بعض وأحمد الله أنى أستطيع اصطحاب زوجتى فى معظم رحلاتى خارج أمريكا، وحتى فى عام ١٩٧٤ كانت معى فى الرحلة الكبيرة التى زرنا فيها كل دول الخليج وتقريبا كل رحلاتى خارج أمريكا لأنها رحلات طويلة وكثيرة، تشاركنى زوجتى فيها لأنه ليس وقت عمل مضن.


■ ما برنامجك اليومى؟


- أستيقظ يوميا فى السادسة والنصف، وأكون فى مكتبى الساعة السابعة وأظل أعمل حتى الثانية عشرة ظهرا، وقت الغداء، فآكل «ساندويتش» وأنا قاعد بشتغل، وأكمل عملى حتى السادسة والنصف مساء، أعود بعدها للبيت، وأيام الخميس والجمعة والسبت والأحد نذهب لبلد تسمى نيوهامشير عندنا فيها منزل، لكن فى بوسطن شقتى صغيرة عبارة عن غرفة نوم واحدة، أى كلام يعنى.


■ هل تهتم بقراءة الصحف المصرية؟


- لا، ولا أقرأ الصحف هنا إلا إذا كان بها شىء مهم يستحق القراءة، لكن زوجتى لديها زيارات أسبوعية للمكتبات لشراء الكتب، وأثناءها تشترى الأعداد المتوفرة من جريدة «الأهرام الدولى» لأقرأها، لكن ليس لدى وقت محدد لقراءة الصحف لا المحلية ولا الأجنبية لأننى مشغول بقراءات فى أشياء أخرى.


■ هل مازلت على علاقة بقريتك، أم أن زياراتك لمصر تقتصر على القاهرة؟


- طبعا أهلى وقريتى حبى لهم كبير، وزرتها عدة مرات حيث أهل الأب والأم معا، كما أن أولاد عمى وخالى يزورونا ومازالت القرية هى الأصل وأصلنا قرية طوخ الأقلام بالدقهلية.


■ هل تسمع الموسيقى؟ وأى المطربين تفضل؟
- أسمع الموسيقى كثيراً جداً وأحب الموسيقى الكلاسيكية وأستمتع بها خاصة بيتهوفن وشوبان، إضافة طبعاً للست أم كلثوم وأذكر أيام دراسة صور أبوللو لتحليلها كنت أضع الراديو بجانبى وأستمع لأم كلثوم، وحتى اليوم عندما أريد كتابة مقال بإتقان أستمع لصوت أم كلثوم أو عبدالوهاب أو عبدالحليم.


■ بعيداً عن الفن.. ما وجهة نظرك تجاه مشكلة نحر البحر للدلتا فى مصر؟


- مسألة يجب التمعن فيها علمياً، فجميع دلتات الأنهار فى العالم تهبط فى المحيطات أو على الساحل لأن الدلتا عبارة عن مواد منقولة من مكان ما فى داخل القارة عن طريق النهر وتترسب فى موقع ما، ومع مرور السنوات تصبح ثقيلة جداً وهذا الثقل يجعلها تهبط، ومعنى ذلك أن جميع دلتات العالم تهبط حاليا ويجب أن نفصل بين أسباب النحر المختلفة، فهناك النحر الموجود الآن فى الدلتا ويحدث لأسباب مختلفة، فأولاً انقطع وصول الطمى الذى كان يأتى مع فيضان النيل ويترسب فى نهاية النهر، لذلك نشاهد نهاية فرعى دمياط ورشيد داخلين فى البحر المتوسط كبروز داخل البحر نتيجة حدوث الترسيبات فى هاتين النقطتين، ومع اكتمال بناء السد العالى عام ١٩٧٠ توقفت هذه العملية،

وبدأت التيارات البحرية من البحر المتوسط تنظر إلى النتوءات الداخلة فيها عند فرعى رشيد ودمياط وتنحر فيها، معنى ذلك أن الدلتا تتراجع فى هاتين المنطقتين لكن مع ملاحظة، أن بعضاً من الرمال التى تأخذها التيارات البحرية تترسب فى مناطق أخرى، أى أن هناك مناطق أخرى، الشاطئ فيها يبعد داخل الدلتا، لأنه يحدث ترتيب جديد والتيارات البحرية تسوى هذا النتوء بباقى أجزاء الدلتا،

كما أن الاحتمال قائم بأن ازدياد درجة حرارة الأرض يزيد من ذوبان الجليد فى القطبين الشمالى والجنوبى وسيؤثر على ارتفاع سطح البحار والمحيطات وبالتالى سطح البحر المتوسط سيرتفع بمقدار بسيط، تقريبا نصف متر، والأجزاء الأقل من نصف المتر من الدلتا ستغرق لكن ستكون بمقدار بسيط.


■ ذكرت فى إحدى المقابلات التليفزيونية أن مقياس الجفاف فى المنطقة العربية يصل إلى ٢٠٠.. فكيف إذن يمكن التعامل مع هذه الطبيعة الجافة فى إطار الرغبة فى زيادة الرقعة الزراعية؟


- قلب المنطقة العربية - خاصة فى الصحراء الغربية بمصر وجزء من شرق ليبيا وجزء من شمال غرب السودان - يعد من أكثر مناطق العالم جفافاً، ومعنى أن مقياس الجفاف بها ٢٠٠، فإن أشعة الشمس الساطعة فى المكان، تستطيع تبخير ٢٠٠ مرة كمية المطر التى تسقط فى نفس المكان، معنى ذلك أن أى زراعة فى هذه الأماكن لابد أن تستخدم أقل كمية مياه لأن أى مياه زائدة ستتبخر، ولا يصح أبداً استخدام الغمر فى الزراعة، كما يحدث فى بعض الواحات الآن والاعتماد على التنقيط أو الرش.


■ عودة إلى الشأن المصرى، هل تتابع الحركة السياسية فى مصر؟ وما رأيك فى ظهور أصوات تطالب بتغيير الدستور المصرى، منهم الدكتور محمد البرادعى كمرشح محتمل للرئاسة؟


- نعم.. أتابع ما يحدث فى مصر، والقصة الأخيرة عن مطالبة الدكتور محمد البرادعى بتغيير الدستور المصرى بصراحة عنده حق، لأنه من المفترض بالدستور المصرى أن يسمح لأى مصرى بالحق فى ترشيح نفسه فى الانتخابات، طبعا مش كل واحد هينتخب نفسه، لكن المفروض الوضع القانونى يسمح للناس بترشيح نفسها لرئاسة الدولة أو عضوية مجلس الشعب.


وفى وجهه نظرى، المؤسسات مثل رئاسة الجامعة أو الوزارة لابد أن يكون للناس الحق فى ترشيح نفسها، أريد أن أكون مسؤولا عن المكان الفلانى لأننى ممتاز فى هذا المجال بناء على كذا وكذا فى نقاط محددة، وأولو الأمر يختارون الأفضل، يعنى حق الترشيح يجب أن يكون مفتوحاً لكل الأماكن الريادية فى البلد، حتى رئاسة الدولة يجب أن تكون مفتوحة لجميع الأفراد.


وبالنسبة للدكتور البرادعى فهو لم يقل حتى الآن إنه مرشح للرئاسة لكنه قام بخطوات طيبة ومتميزة ليشرح للناس قصة تغيير الدستور وكيف نطالب بتغييره فى مواقع محددة وليه نعمل الكلام ده من الناحية القانونية، وعنده حق طبعا، وعندما يعلن ترشحه للرئاسة ويقول البرنامج الانتخابى الخاص به وهيعمل إيه.. لو أصبح رئيس جمهورية لازم نفهم يعنى هيعمل إيه فى التعليم والصحة مثلا علشان نقدر نديله صوتنا، يعنى لا يكون الاختيار بناء على إن شكلك كويس ولا إنك بتتكلم كويس، فهذا لا يكفى لكن هتعمل إيه بالضبط لو أصبحت رئيساً وطبعا ده بناء على ما يحتاجه البلد نفسه.


■ هل تجد أن الحراك السياسى فى مصر حقيقى أم أنه مجرد فورة وسيهدأ؟


- أعتقد أنه حقيقى، وأن الناس بتقول إن البلد بوضعه الحالى مش كويس نتيجة إن التعليم والاقتصاد مش كويسين، ممكن يكونوا أحسن بكتير لكن نسبة البطالة مرتفعة، ومن يحصل على عمل يكن بالوساطة و«اللبخ»، ولازم يحصل تغيير والكلام عن التغيير جيد، فى كل مكان فى الدنيا لابد من حدوث تغيير للأحسن ولا يصح أن نقول لا للتغيير لأنه حتى البنى آدم بيتغير وأفكاره بتتغير مع الوقت ولازم نعتبر إن التغيير جزء من الحياة ولابد أن نغير حتى نجدد أنفسنا ونقوم بالأحسن.


■ بصراحة كيف تجد الأوضاع المصرية الداخلية مقارنة بثلاثين عاما مضت؟


- أجاوب عن كل الأسئلة بصراحة يعنى هخبى ليه؟، الأوضاع المصرية الداخلية مش كويسة إذا ما قورنت بالخمسين سنة الماضية، كيف أقارنها؟ يعنى أيام ما كنت طالب، والطلبة دلوقتى شكلهم إيه، يعنى كنا بنتعلم كويس جدا ولا نعرف شيئاً عن حاجة اسمها الدروس الخصوصية، وكان أساتذتنا محترمين والناس تتعاون مع بعضها، لم تكن هناك مشاكل بين المسلمين والأقباط، ولا حتى بين المسلمين واليهود، لأننا مثلا كنا نعيش فى دمياط وجيراننا يهود فهم مصريون مثلنا، أفكار الناس كانت مختلفة، نعرف إننا كلنا أولاد آدم كل واحد بيمشى على دينه وأصوله ونسعى للعلم ودعم الدولة لأن الدولة بمثابة أمنا.


النهاردة أشاهد أشياء كثيرة بها «لبخ» وحاجات ما فيهاش أمل كبير والناس كلها مش مبسوطة والفروق كبيرة بين ما كنا فيه والوضع الحالى فى مصر، ويمكن الوضع الحالى جزء من التغيير حتى يحدث تغيير آخر للأحسن، نحن الآن نسير فى مسار تغيير إلى الأسوأ ربما يحدث تغيير إلى الأحسن لاحقا، وهذا الوضع حدث فى مصر عدة مرات تسوء الأوضاع ثم تنصلح وهذه الأمور من صفة الحياة.


ليست هناك أي مشاركات.
ليست هناك أي مشاركات.